القوات المسلحة الجنوبية.. جيشٌ وُلد من رحم النصر واستعاد للجنوب قوته

لم يكن الجنوب يوماً بلا جيش، فقبل حرب 1994م وقبل ما تُسمى الوحدة اليمنية بين دولتي الجنوب والشمال، امتلك مؤسسة عسكرية وطنية لها عقيدتها وقياداتها وتاريخها، وكانت من أبرز مظاهر قوة الدولة الجنوبية. لكن الحرب فتحت صفحة قاسية، إذ تعرضت المؤسسة العسكرية الجنوبية للتفكيك والإقصاء، وسُرّح كثير من منتسبيها، ضمن سياسات أضعفت مؤسسات الجنوب وأثرت في حضوره العسكري.
من جيشٍ يهز المنطقة إلى وطنٍ بلا قوة
بعد حرب 1994، لم يقتصر الأمر على إعادة ترتيب عسكري، بل طال بنية المؤسسة الجنوبية نفسها؛ فأُبعد ضباط وكوادر، وفُككت وحدات، وأُغلقت أبواب المؤسسة أمام كثير من أبنائها.
ومع ذلك، بقيت ذاكرة الجيش الجنوبي حاضرة، وظلت الحاجة إلى قوة تحمي الأرض وتمنع تكرار ما حدث تتراكم عاماً بعد آخر.
2015.. الجنوب يستعيد سلاحه
عندما وصلت الحرب إلى الجنوب عام 2015، لم يكن هناك جيش جنوبي موحد للدفاع عن المدن والأرض، فنهضت المقاومة الجنوبية، وحمل أبناؤها السلاح، لتبدأ من تلك النواة عملية إعادة بناء القوة العسكرية الجنوبية.
وفي مقدمة هذا المشروع برز الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، الذي عمل على تأسيس القوات الجنوبية وبناء هياكلها وتطوير قدراتها، حتى تحولت التشكيلات الأولى إلى منظومة عسكرية وأمنية واسعة الحضور.
عيدروس الزبيدي.. مشروع بناء لا مجرد تشكيلات
لم يكن بناء القوات الجنوبية مهمة سهلة في ظل غياب مؤسسة دولة متكاملة وإمكانات عسكرية جاهزة. وكان المطلوب إعادة تأسيس التنظيم والقيادة والتدريب والانتشار والتسليح.
ومن نواة المقاومة الأولى، تشكلت قوات الحزام الأمني، والدعم والإسناد، وألوية العمالقة الجنوبية، وقوات دفاع شبوة، وتشكيلات أخرى، لتصبح مع الوقت قوة رئيسية في المشهد العسكري.
حصن الجنوب في مواجهة الإرهاب والحوثيين
اختبرت القوات الجنوبية قدراتها في الميدان، فواجهت الحوثيين وخاضت معارك ضد التنظيمات الإرهابية، وأسهمت في تأمين مدن ومناطق استراتيجية وطرق وسواحل ومواقع حيوية.
وبذلك أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الأمن والدفاع في الجنوب، بعد سنوات كان فيها الجنوب عرضة لمخاطر الحرب والإرهاب والفوضى.
وحين أصبح الجنوب قوياً.. بدأ استهداف قوته
مع اتساع نفوذ القوات الجنوبية، دخلت في الحسابات السياسية والعسكرية، وبرزت محاولات لإعادة ترتيبها ودمجها أو تغيير بنيتها القيادية والميدانية تحت عناوين مختلفة، بينها «إعادة الهيكلة».
وهنا يبرز السؤال الأوسع: من يملك قرار القوة في الجنوب، ومن يحدد انتشارها ومستقبلها؟
فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت مرتبطة بموازين القوة وبمستقبل الجنوب السياسي والأمني.
المعركة على القوة هي معركة على الجنوب
لا يمكن فصل مستقبل القوات الجنوبية عن القضية الجنوبية. فبعد عقود من غياب القوة العسكرية الجنوبية، أصبح للجنوب تشكيلات فرضت حضورها على الأرض، وأعادت صياغة جانب من المعادلات القائمة.
ولهذا، فإن أي مسار يضعف هذه القوات أو يفرغها من مضمونها الجنوبي يُنظر إليه جنوبياً باعتباره عودة إلى مرحلة كان فيها الجنوب مكشوفاً أمام القوى المتصارعة على أرضه.
القوات المسلحة الجنوبية.. خط أحمر
القوات الجنوبية هي حصيلة سنوات من المقاومة والمعارك والتضحيات، من مرحلة ما بعد 1994 إلى معارك 2015 ومواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية لاحقاً.
ولهذا، فإن إعادة تنظيمها لا يمكن أن تكون مجرد مسألة إدارية منفصلة عن واقع الجنوب، بل قضية ترتبط بأمنه ومستقبله وترتيباته السياسية.
الجنوب لن يقبل أن يتخلى عن القوة التي بناها أبناؤه، ثم يعود مرة أخرى إلى مرحلة بلا درع يحميه.
جيش الأمس يعود بروح جديدة
من جيش الدولة الجنوبية السابق إلى القوات التي ولدت من رحم المقاومة، تمتد مسيرة واحدة عنوانها رفض بقاء الجنوب بلا قوة تحمي أرضه.
فقد حاولت حرب 1994 تفكيك المؤسسة العسكرية الجنوبية، لكن إرادة الجنوبيين بقيت حاضرة، وعندما جاءت لحظة المواجهة أعادوا بناء قوتهم من جديد.
واليوم، أصبحت القوات المسلحة الجنوبية قوة حاضرة، لها تشكيلاتها وقياداتها وخبرتها الميدانية، وتشكل أحد أعمدة المشهد الأمني والعسكري في الجنوب.
القوة التي بناها الرئيس القائد عيدروس لن تُمحى.
عمل الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي على بناء هذه المؤسسة في ظروف بالغة الصعوبة، بدءاً من مجموعات مقاومة متفرقة وصولاً إلى تشكيلات عسكرية وأمنية قادرة على الانتشار ومواجهة التهديدات.
وهنا تكمن أهمية ما تحقق: لم يعد الجنوب يبحث عن قوة تحميه؛ لقد أصبح يمتلك قوة بناها أبناؤه بأنفسهم.
ولهذا فإن مستقبل القوات المسلحة الجنوبية يرتبط بصورة مباشرة بمستقبل الجنوب وأمنه واستقراره.
القوات المسلحة الجنوبية هي حصن الجنوب ودرعه وامتداد ذاكرته العسكرية من جيش الدولة الجنوبية إلى قوة اليوم.
وما بُني بتضحيات أبنائه لن يكون من السهل إعادته إلى نقطة الصفر، فالجنوب الذي استعاد أرضه بقوة أبنائه لن يتخلى عن القوة التي تحمي مكتسباته وتصون قضيته وتؤمّن مستقبله.