اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الحوثيون أمام جنوب مختلف.. سيناريو 2015 لن يتكرر وجنوب اليوم ليس جنوب الأمس

لم يعد الجنوب الذي عرفه الحوثيون في عام 2015 هو الجنوب نفسه الذي يقف اليوم أمام التحديات والمتغيرات. فبين الأمس واليوم تبدلت موازين كثيرة، وتراكمت خبرات عسكرية وسياسية وميدانية جعلت من الصعب التعامل مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة يمكن اختراقها بالطريقة ذاتها التي جرت قبل أكثر من عقد.
في عام 2015، دخل الحوثيون إلى المحافظات الجنوبية في ظل ظروف شديدة التعقيد، مستفيدين من حالة الانقسام السياسي والعسكري، ومن ضعف مؤسسات الدولة وتشتت القوى المحلية، قبل أن يواجهوا مقاومة جنوبية شرسة أفشلت مشروع السيطرة ودفعتهم إلى التراجع من معظم المناطق الجنوبية.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف بصورة واضحة. الجنوب يمتلك خبرة طويلة في مواجهة الحروب، وذاكرة ميدانية ثقيلة تشكلت من سنوات المواجهة، كما أن الوعي الشعبي تجاه المخاطر التي تهدد الأرض والهوية والقرار السياسي أصبح أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
ذاكرة 2015 لا تزال حاضرة
يدرك أبناء الجنوب أن الحرب لم تكن في عام 2015 مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت لحظة فارقة كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه الجنوب عندما تتقاطع المشاريع السياسية والعسكرية على أرضه.
ولهذا فإن أي محاولة حوثية جديدة لاختبار الجبهة الجنوبية ستواجه قبل كل شيء مجتمعًا يمتلك ذاكرة الحرب، ويعرف طبيعة الخصم وأساليب تحركه، ويدرك أن المعركة لا تتعلق فقط بالسيطرة على موقع عسكري أو مدينة، وإنما ترتبط بأمن الأرض ومستقبلها.
ومن هنا، فإن الرهان على تكرار مشهد 2015 بصورة حرفية يبدو أقرب إلى قراءة الماضي بمعزل عن تحولات الحاضر.
جنوب اليوم أكثر خبرة واستعدادًا
خلال السنوات الماضية، شهد الجنوب تحولات كبيرة على المستوى العسكري والأمني والسياسي. وتراكمت لدى القوى الجنوبية خبرات في إدارة المعارك وحماية المناطق وتأمين المدن ومواجهة التنظيمات المسلحة، وهو ما يجعل أي محاولة لاختراق الجنوب أمام واقع أكثر تعقيدًا من ذلك الذي كان قائمًا قبل سنوات.
كما أن المجتمع الجنوبي أصبح أكثر حساسية تجاه أي تحركات عسكرية قد تقترب من حدوده أو تهدد مدنه ومناطقه. ولذلك فإن أي تصعيد محتمل من جانب الحوثيين لن يُنظر إليه باعتباره مواجهة بعيدة، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا يستدعي رفع مستوى اليقظة والاستعداد.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختلاف بين جنوب الأمس وجنوب اليوم: فالمعركة لم تعد تبدأ من الصفر.
الحوثيون يواجهون معادلة مختلفة
قد يراهن الحوثيون على حالة الانشغال السياسي والصراعات الداخلية والتباينات بين القوى المناهضة لهم، لكن هذا الرهان، إن وُجد، يحمل مخاطر كبيرة؛ لأن الجنوب أثبت خلال السنوات الماضية أن التهديدات المباشرة لأرضه يمكن أن تتحول إلى عامل يدفع باتجاه مزيد من التماسك الشعبي والميداني.
كما أن التطورات المتلاحقة في البحر الأحمر وباب المندب والساحل الغربي تجعل أي تحرك عسكري في محيط الجنوب أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، خصوصًا في ظل الأهمية الجغرافية التي يمثلها الجنوب بالنسبة للممرات البحرية وخطوط الملاحة الدولية.
ولهذا فإن أي محاولة لتوسيع نطاق العمليات باتجاه الجنوب قد تفتح أمام الحوثيين جبهة أكثر تعقيدًا مما يتصورون.
الجنوب لن يكون ساحة سهلة
الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تجربة السنوات الماضية هي أن الجنوب ليس أرضًا بلا دفاع، ولا مجتمعًا ينتظر من يقرر مصيره نيابة عنه.
لقد تغيرت طبيعة المعادلة. فالقضية الجنوبية أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي اليمني والإقليمي، وأصبح مستقبل الجنوب حاضرًا في النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد وترتيباتها السياسية والأمنية.
ومن ثم فإن محاولة فرض واقع جديد بالقوة لن تكون مهمة سهلة، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى تهديد مباشر للمدن والمناطق الجنوبية.
الخطر الحقيقي هو الاستهانة بالمتغيرات
أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي طرف هو الاعتقاد بأن الظروف التي كانت قائمة في 2015 ما زالت كما هي. فالزمن تغير، والقوى تغيرت، والخبرات تغيرت، والوعي الشعبي تغير، وحتى طبيعة الصراع نفسه لم تعد مطابقة لما كانت عليه قبل سنوات.
ولهذا فإن قراءة المشهد الحالي من خلال عدسة 2015 وحدها قد تقود إلى استنتاجات خاطئة.
فالجنوب اليوم يمتلك ذاكرة الحرب وخبرة المواجهة، ويمتلك كذلك إدراكًا أكبر لأهمية حماية أرضه ومناطقه الاستراتيجية، فيما باتت التهديدات القادمة من الشمال أكثر وضوحًا بالنسبة للرأي العام الجنوبي.
من معركة دفاع إلى معادلة ردع
المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى انتظار الخطر حتى يصل إلى المدن، بل تحتاج إلى بناء منظومة يقظة وردع قادرة على منع أي محاولة لاختراق الجنوب قبل تحولها إلى واقع ميداني.
وهذا يتطلب توحيد الصفوف الجنوبية، ورفع مستوى التنسيق بين القوى العسكرية والأمنية، وتعزيز حماية الحدود والمواقع الحيوية، إلى جانب تحصين الجبهة الداخلية من الخلافات التي يمكن أن يستفيد منها أي خصم.
فالقوة لا تقاس فقط بعدد المقاتلين والسلاح، وإنما كذلك بمدى تماسك المجتمع، ووضوح القرار، وقدرة القوى المختلفة على التعامل مع الخطر باعتباره تهديدًا مشتركًا.
2015 صفحة مضت.. والجنوب دخل مرحلة جديدةخ
قد يحاول الحوثيون استحضار أدوات الماضي أو اختبار نقاط الضعف ذاتها، لكن الجنوب الذي خرج من حرب 2015 ليس الجنوب الذي دخلها.
لقد دفعت سنوات الحرب ثمنًا باهظًا، لكنها في الوقت نفسه صنعت خبرة ووعيًا سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله. ولذلك فإن أي مغامرة جديدة يجب أن تُقرأ في ضوء هذه التحولات، لا في ضوء صورة قديمة للجنوب.
المعادلة اليوم تبدو أكثر وضوحًا: الجنوب لن يكون ساحة سهلة، ولن يكون من السهل إعادة إنتاج مشهد 2015 بالسيناريو ذاته. وأي محاولة لاختبار هذه الحقيقة ميدانيًا قد تضع أصحابها أمام واقع مختلف تمامًا عما يتوقعون.
فالجنوب اليوم ليس جنوب الأمس، وما حدث في 2015 أصبح درسًا راسخًا في الذاكرة الجنوبية، وليس وصفة قابلة للتكرار.
ومن هنا، فإن حماية الجنوب لا تبدأ عند اندلاع المعركة، وإنما تبدأ من الآن، عبر توحيد الصف، وتعزيز الجاهزية، ورفض الاستهانة بأي تهديد، وإدراك أن أمن الجنوب مسؤولية أبنائه قبل أن يكون ورقة في حسابات الآخرين.
إن الرسالة التي تفرض نفسها أمام أي محاولة لاختراق الجنوب واضحة: الزمن تغير، والواقع تغير، والجنوب تغير.. ومن يراهن على إعادة سيناريو 2015 قد يكتشف أن الجنوب الذي يواجهه اليوم ليس الجنوب الذي عرفه بالأمس.

زر الذهاب إلى الأعلى