اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حكمة الرئيس الزُبيدي في زمن الاستنزاف.. لماذا يرفض الزج بأبناء الجنوب في محارق الشمال؟

في خضم المشهد اليمني المعقد، تبرز مسألة توجيه القوات الجنوبية إلى جبهات خارج حدود الجنوب باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية، خصوصًا مع تصاعد الدعوات المطالبة بإعادة توزيع القوات الجنوبية على ساحات قتال بعيدة عن مناطقها. وفي هذا السياق، يرى مؤيدو الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي أن رفضه الزج بأبناء الجنوب في معارك لا تخدم أمنهم المباشر يعكس، من وجهة نظرهم، قراءة سياسية وعسكرية تقوم على حماية الإنسان الجنوبي قبل البحث عن مكاسب عسكرية في جبهات أخرى.
وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ واضح: أن مهمة القوات الجنوبية، بحسب الخطاب المعلن عنها، هي حماية أرض الجنوب وتأمين حدوده، وليس التحول إلى قوة احتياط تُستدعى كلما احتاجت الأطراف المتصارعة في الشمال إلى مقاتلين جدد. وقد أكدت تصريحات منشورة في أواخر أغسطس أن الزُبيدي ينظر إلى القوات الجنوبية بوصفها حصنًا لحماية الجنوب وتأمين حدوده، فيما نشرت مصادر جنوبية في سبتمبر تأكيدات على رفض الزج بها في حروب لا تخدم القضية الجنوبيه
ومن زاوية تحليلية، فإن جوهر الموقف لا يتعلق برفض مواجهة الحوثيين من حيث المبدأ، بقدر ما يتعلق بالسؤال الأكبر: من يحدد المعركة؟ وأين تكون؟ ومن يدفع ثمنها؟
فالجنوبيون، وفق هذا الطرح، خاضوا خلال السنوات الماضية معارك قاسية داخل مناطقهم، وسقط منهم قتلى وجرحى في مواجهات متعددة، وبالتالي فإن نقل القوات الجنوبية إلى مسارح عمليات بعيدة قد يعني فتح دورة جديدة من الاستنزاف البشري والعسكري، بينما تبقى القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية داخل الجنوب دون معالجة حاسمة.
وتزداد أهمية هذا الطرح مع ظهور نقاشات متكررة حول إرسال قوات جنوبية إلى جبهات شمالية، الأمر الذي يضع القيادة الجنوبية أمام معادلة صعبة: هل تدخل في حرب واسعة تتجاوز حدود الجنوب، أم تحافظ على قواتها باعتبارها قوة دفاعية مرتبطة بأمن أراضيها ومشروعها السياسي؟
أنصار الزُبيدي يرون أن الخيار الثاني أكثر اتساقًا مع مفهوم بناء قوة عسكرية جنوبية مستقلة القرار، خصوصًا أن الموقع الرسمي للمجلس الانتقالي نشر مؤخرًا موقفًا يؤكد رفض الزج بالقوات الجنوبية في حروب لا تخدم قضية الجنوب.
وهنا تتجلى، بحسب هذا التصور، أهمية الحسابات السياسية والعسكرية للزبيدي؛ فالمعركة بالنسبة له ليست مجرد تحريك ألوية من منطقة إلى أخرى، وإنما قرار يتعلق بمستقبل قوة عسكرية تشكلت أساسًا في سياق الدفاع عن الجنوب.
فالذهاب إلى جبهات بعيدة يعني استهلاك القوات والعتاد والكوادر، وفتح خطوط إمداد جديدة، وتعريض المقاتلين لمعارك قد لا يكون لهم فيها هدف مباشر، بينما إبقاء القوات ضمن نطاق الجنوب يمنح القيادة قدرة أكبر على حماية المناطق الجنوبية ومواجهة أي تهديد مباشر لأراضيها.
وفي المقابل، فإن خصوم هذا التوجه يرون أن مواجهة الحوثيين تحتاج إلى جبهة موحدة، وأن حصر القوات الجنوبية داخل مناطقها قد يضعف الجهد العسكري العام. وهذا الرأي يظل جزءًا من الجدل السياسي والعسكري القائم، ولا يمكن اختزاله في رواية واحدة.
لكن بالنسبة إلى مؤيدي الزُبيدي، فإن القضية الأساسية هي أن دماء أبناء الجنوب ليست ورقة تفاوض، ولا ينبغي أن تتحول إلى وقود لحروب لا يملك الجنوبيون قرارها الكامل.
ومن هنا، فإن رفض إرسال القوات الجنوبية إلى محارق الشمال يُقدَّم باعتباره محاولة لوضع حد لمنطق الاستنزاف الذي يرى هؤلاء أنه دفع الجنوبيين، في مراحل مختلفة، إلى خوض معارك تتجاوز أولوياتهم المباشرة.
وبهذا المعنى، تصبح الحكمة السياسية والعسكرية في إدارة القوات لا في كثرة المعارك؛ فالقوة، وفق هذا المنظور، لا تُقاس بعدد الجبهات التي تخوضها، وإنما بقدرتها على حماية الأرض والإنسان والحفاظ على القرار العسكري من أن يتحول إلى أداة في صراعات الآخرين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت الحرب شمالية في جوهرها، فلماذا يُطلب من أبناء الجنوب أن يدفعوا الثمن الأكبر؟ ومن هنا تأتي أهمية الجدل حول موقف الزُبيدي، بين من يراه حفاظًا على الدم الجنوبي والقرار العسكري، ومن يراه موقفًا يحتاج إلى صيغة سياسية وعسكرية أوسع لحسم الصراع اليمني.

زر الذهاب إلى الأعلى