لا تنتظروا الطعنة من بوابة الحرب.. الخطر قد يدخل عدن متخفّيًا بين قوافل النزوح

كتب / فاطمة اليزيدي:
ليست كل الطعنات تأتي من الجبهة، وليست كل الأخطار ترفع رايةً واضحةً قبل أن تصل. بعض الأخطار تتسلّل بهدوء، تختبئ خلف مشهدٍ إنساني مؤلم، وتعبر من حيث لا يتوقع أحد، مستفيدةً من الفوضى والارتباك وغياب التدقيق. وهنا بالضبط يجب أن نتوقف، وأن نسأل بصوتٍ جنوبيٍّ واضح: ماذا يحدث في عدن؟ وإلى أين تقودنا موجات النزوح المتسارعة؟ وهل نملك من اليقظة الأمنية ما يكفي لمنع أي جهة معادية من تحويل المعاناة الإنسانية إلى ثغرةٍ تنفذ منها إلى قلب العاصمة؟
أقولها بوضوح: النازح ليس عدوًا، وليس كل من يصل إلى عدن متهمًا، ولا يجوز أن تتحول المعاناة الإنسانية إلى سببٍ لاضطهاد الأبرياء أو التشكيك في الناس. لكن في المقابل، فإن حماية الإنسان لا تعني أبدًا أن نتخلى عن حماية المدينة، والرحمة لا تعني أن نغلق أعيننا عن المخاطر، والإنسانية لا يمكن أن تكون تصريحًا مفتوحًا للفوضى.
عدن ليست مدينةً عاديةً حتى نتعامل مع ما يحدث فيها وكأنه حركة سكانية عابرة. عدن عاصمة الجنوب، ومدينةٌ تحمل فوق كتفيها ذاكرةً ثقيلةً من الحروب والاغتيالات والتفجيرات ومحاولات العبث بأمنها، ولهذا فإن كل تحركٍ بشري واسع داخلها يجب أن يُقرأ بعينٍ مسؤولة، لا بعينٍ مذعورة، ولا بعينٍ غافلة.
حين تتسع حركة النزوح، تتسع معها مسؤولية الأجهزة المختصة. ليس المطلوب إغلاق أبواب عدن أمام المظلومين، وإنما المطلوب أن تكون هناك آليةٌ واضحةٌ تعرف من يدخل، وأين يقيم، وما وضعه، وأن تكون المتابعة قائمةً على القانون والمعلومة الدقيقة، لا على العشوائية أو الاشتباه الجماعي.
فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى دبابةٍ حتى يقتحم مدينة، ولا يحتاج إلى معركةٍ معلنةٍ حتى يهدد أمنها. قد يبحث عن ثغرةٍ صغيرة، عن فوضى، عن هويةٍ مجهولة، عن شبكةٍ نائمة، عن شخصٍ قادرٍ على جمع المعلومات، أو عن بيئةٍ لا تسأل كثيرًا.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة الاستهانة.
الحوثي الذي عجز عن إخضاع الجنوب بالقوة لن يتوقف عن البحث عن وسائل أخرى لإرباكه، والخصم الذي يعرف أن عدن تمثل قلبًا سياسيًا وأمنيًا للجنوب لن يتعامل معها كمدينةٍ بعيدةٍ عن حساباته. لذلك فإن السؤال ليس من باب التشاؤم، بل من باب المسؤولية: ماذا لو حاولت جماعةٌ معادية استغلال موجات النزوح للتسلل أو التجنيد أو جمع المعلومات أو تنفيذ أعمالٍ تخريبية؟
هل ننتظر حتى تقع الكارثة ثم نبحث عن الإجابة؟
أم نتصرف قبل أن تقع؟
الأمن الحقيقي لا ينتظر الجريمة حتى يثبت أنه كان يقظًا. الأمن الحقيقي هو الذي يمنع الجريمة قبل أن تولد.
ولذلك فإن الحديث عن ضرورة التدقيق الأمني في حركة النزوح ليس عداءً للنازحين، بل حمايةٌ لهم قبل أن يكون حمايةً لعدن. فالنازح الشريف هو أول من يتضرر حين تُترك الأوضاع للفوضى، وأول من يدفع ثمن أي اختراقٍ أمني، لأن وجود عناصر مشبوهة وسط تجمعاتٍ من النازحين قد يجعل الجميع موضع شك، بينما التنظيم والتدقيق يميزان بين الإنسان الذي جاء بحثًا عن الأمان وبين من يحاول استغلال هذا الأمان لتنفيذ أجندةٍ معادية.
لقد آن الأوان لأن نفهم أن أمن عدن ليس ترفًا سياسيًا، وليس قضيةً يمكن تأجيلها حتى تهدأ الظروف. عدن مدينةٌ محاصرةٌ بتعقيداتٍ سياسية وأمنية واقتصادية، وأي ثغرةٍ فيها قد تتحول إلى أزمةٍ أكبر من حدودها.
ومن المؤسف أن البعض لا يتذكر الأمن إلا بعد وقوع المصيبة، ولا يتحدث عن الخطر إلا بعد أن يصبح واقعًا. نحتاج إلى عقلٍ أمنيٍّ يستبق الأحداث، لا إلى بياناتٍ تبحث عن المسؤول بعد وقوعها.
نحتاج إلى مؤسساتٍ تعرف أن استقبال النازحين مسؤوليةٌ إنسانية، وأن تنظيم وجودهم مسؤوليةٌ أمنية، وأن حماية عدن مسؤوليةٌ وطنية، وأن هذه المسؤوليات لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضًا.
ولا أعتقد أن أحدًا عاقلًا يمكن أن يطالب بطرد إنسانٍ هاربٍ من الحرب، كما لا أعتقد أن أحدًا عاقلًا يمكن أن يطالب بترك العاصمة بلا تدقيقٍ أو متابعة. بين هذين الطرفين تقع الحكمة التي نحتاج إليها اليوم: إنسانيةٌ بلا سذاجة، وأمنٌ بلا ظلم، وحزمٌ بلا انتهاكٍ لكرامة الأبرياء.
عدن لا تحتاج إلى التخويف من النازحين، وإنما تحتاج إلى اليقظة تجاه من قد يستغل النازحين.
وهذه نقطةٌ يجب أن تكون واضحةً للجميع.
فحين نحذر من الاختراق، نحن لا نحاكم الإنسان بسبب مكان ولادته، ولا نجرّم الفقير لأنه هرب من الحرب، ولا نضع الناس في سلةٍ واحدة. نحن نحذر من جهةٍ معادية قد تبحث عن أي منفذٍ للوصول إلى العاصمة، ونطالب الأجهزة المعنية بأن تقوم بدورها في حماية المدينة والناس معًا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لعدن هو أن تصبح الثقة المفرطة سببًا للغفلة، وأن تتحول العاطفة إلى جدارٍ يحجب الأسئلة المشروعة، وأن نخاف من الحديث عن الأمن أكثر مما نخاف من الخطر نفسه.
لا يا سادة.
من يحب عدن عليه أن يحذر عليها.
ومن يريد حماية النازح عليه أن يحميه من أن يتحول إلى غطاءٍ لمتسللٍ أو أداةٍ في يد جماعةٍ مسلحة.
ومن يريد للجنوب أن يبقى آمنًا، عليه أن يفهم أن حماية العاصمة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، من المعلومة، من التدقيق، من التنظيم، ومن عدم ترك أي ثغرةٍ يمكن أن تتحول غدًا إلى بابٍ واسعٍ للعبث.
عدن ليست مستودعًا للأزمات، وليست مساحةً سائبةً لمن يريد أن يجرب حظه في أمنها. هذه مدينةٌ دفع أبناؤها دماءهم كي تبقى واقفة، ومن حق أهلها أن يسألوا، وأن يطالبوا، وأن يرفعوا أصواتهم عندما يرون ما يستدعي القلق.
لا نريد عدن مغلقةً أمام المظلومين، ولا نريدها مفتوحةً أمام المتربصين. نريدها مدينةً تعرف كيف تحتضن الإنسان وتحرس حدود أمنها في الوقت نفسه.
فلا تنتظروا الطعنة حتى تصل إلى القلب، ولا تنتظروا الانفجار حتى تبحثوا عن اليد التي زرعت الفتيل.
فالخطر الذي نراه اليوم ونستهين به قد يصبح غدًا خطرًا لا نستطيع احتواءه، والعدو الذي لا يستطيع الدخول من بوابة الحرب قد يبحث عن بوابةٍ أخرى.
وعدن، التي عجزوا عن إسقاطها من الخارج، يجب ألا نسمح لأحدٍ بأن يفتح له بابًا من الداخل.