اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

المطبخ الدولي يطبخ اليمن على نار هادئة.. لماذا تتحرك العواصم حين يتحرك الجنوب؟

معاذ فيزان

ماذا يجري في «المطبخ الدولي» تجاه اليمن والقضية الجنوبية؟

هذا السؤال لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة لفهم ما يجري خلف الستار، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والتصريحات المتبادلة التي تصدر من مختلف الأطراف، والتي قد يكون جزء كبير منها مجرد «دعاية إعلامية مصاحبة» لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يحدث على الأرض.

ففي اليمن، لا تكفي قراءة البيانات والتصريحات لفهم المشهد. المعادلة الحقيقية تُقرأ من خلال خارطة النفوذ، وحركة القوات، وموازين القوة، وطبيعة التحركات الإقليمية والدولية التي تأتي عادةً عندما تشعر الأطراف المؤثرة بأن شيئًا جوهريًا بدأ يتغير على الأرض.

حين يتغير الميدان.. يتحرك المجتمع الدولي

من وجهة نظري، فإن أبرز ما يستحق التوقف عنده هو أن الجبهات التي شهدت تحركات وتقدمًا ملموسًا ارتبطت بصورة أساسية بالقوات الجنوبية، بينما ظلت جبهات أخرى تدور في دوائر متكررة من التصعيد والتهدئة دون أن تنتج تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا.

وهنا تبرز علامة استفهام كبيرة:

لماذا يستنفر المجتمع الدولي أدواته السياسية والدبلوماسية عندما تبدأ موازين القوة على الأرض بالتحول، بينما يتعامل ببرود مع كثير من المعارك والمناوشات التي لا تغير شيئًا جوهريًا في المعادلة؟

ولعل التحركات المكثفة للمبعوث الأممي، بالتزامن مع التحولات الميدانية الأخيرة، تعطي انطباعًا بأن المجتمع الدولي لا يريد أن يترك الميدان يفرض وحده شكل التسوية المقبلة.

وهذا أمر مفهوم من زاوية المصالح الدولية؛ فالدبلوماسية غالبًا ما تتحرك عندما تبدأ خرائط القوة بالتغير، لا عندما تكتفي الأطراف بإطلاق التصريحات.

الحوثي.. خصم أم ورقة في لعبة أكبر؟

هناك قراءة سياسية واسعة ترى أن القوى الدولية لا تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم ملفًا عسكريًا يجب حسمه بأي ثمن، بل باعتبارهم جزءًا من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيدًا.

فالملف اليمني لم يعد منفصلًا عن أمن البحر الأحمر، والممرات البحرية، وأمن الطاقة، والتنافس الإقليمي، والتوازنات في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: هل تريد القوى الدولية إنهاء نفوذ الحوثيين؟

بل: ما الشكل الذي تريده هذه القوى لهذا النفوذ بعد أي تسوية سياسية؟

قد يكون الحوثي بالنسبة لبعض القوى الدولية ورقة ضغط وإرباك، أو جزءًا من توازنات أوسع، ولذلك فإن التعامل معه قد لا يكون بالضرورة وفق منطق «الحسم الكامل»، وإنما وفق منطق إدارة الصراع وإعادة تشكيله.

وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات الأزمة اليمنية.

القضية الجنوبية بين الاعتراف بالواقع وانتظار اللحظة المناسبة

في المقابل، تبدو القضية الجنوبية أمام اختبار تاريخي.

فالجنوب لم يعد مجرد ملف سياسي يُطرح على طاولة المفاوضات، بل أصبح واقعًا سياسيًا وعسكريًا وجغرافيًا يصعب تجاهله.

القوى الجنوبية الموجودة على الأرض تمتلك نفوذًا وقدرة على التأثير في مسار الأحداث، وهو أمر يجعل أي تسوية مستقبلية تتجاهل الجنوب ومطالبه ومصالحه عرضة لأن تكون تسوية ناقصة وغير قابلة للحياة.

لكن الاعتراف بالواقع الجنوبي شيء، واتخاذ قرار دولي وإقليمي نهائي بشأن مستقبل الجنوب شيء آخر.

وهنا تحديدًا تكمن العقدة.

فقد ترى بعض القوى الإقليمية والدولية أن وجود كيان جنوبي مستقر وفاعل يمكن أن يكون عنصرًا من عناصر الاستقرار في المنطقة، لكنها في الوقت ذاته تربط ذلك بجملة من الشروط الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها إنهاء التهديد الحوثي وضمان أمن الملاحة والمصالح الإقليمية والدولية.

وهكذا يجد الجنوب نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: يُطلب منه أن يكون قوة استقرار، بينما يتحمل في الوقت ذاته الجزء الأكبر من كلفة المواجهة على الأرض.

الخطر الحقيقي: استنزاف القوة الجنوبية

وهنا أصل إلى النقطة الأكثر خطورة بالنسبة لي.

إذا كانت القوات الجنوبية هي الطرف الأكثر حضورًا في الميدان، وهي التي تتحمل الجزء الأكبر من أعباء المواجهة، فإن استمرار المعركة دون أفق سياسي واضح قد يتحول تدريجيًا إلى عملية استنزاف.

فالجنوب لا يواجه خطرًا عسكريًا فقط، بل يواجه خطرًا سياسيًا أيضًا.

أن تتحول قوته العسكرية إلى أداة لخوض المعارك، بينما تُترك نتائج هذه المعارك لتُحسم في غرف التفاوض بعيدًا عن أصحاب الأرض، سيكون خطأً استراتيجيًا بالغ الخطورة.

ولهذا فإن القضية ليست في عدد المعارك التي يخوضها الجنوب، وإنما في كيفية تحويل الحضور العسكري إلى مكاسب سياسية تحفظ حقوقه ومصالحه ومستقبل أبنائه.

الضربات الخاطئة.. رسالة لا ينبغي تجاهلها

وما أُعلن عن وقوع ضربات جوية سعودية وُصفت بأنها «خاطئة» وأصابت قوات جنوبية، يمثل في حد ذاته تطورًا يستحق التوقف أمامه، ليس فقط من الجانب العسكري، وإنما من زاوية الرسائل السياسية التي يمكن أن تحملها مثل هذه الحوادث.

فالخطأ العسكري، مهما كانت أسبابه، يصبح أكثر حساسية عندما يقع بين أطراف يفترض أنها تتحرك ضمن معسكر واحد أو تتقاطع مصالحها في مواجهة خصم مشترك.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات، وإنما تحقيق شفاف وعلني يوضح ما حدث، ويحدد المسؤولية، ويمنع تكراره.

فالاستنزاف الداخلي للقوى الموجودة على الأرض لن يخدم في النهاية سوى القوى التي تستفيد من استمرار حالة الجمود والانقسام.

اليمن على طاولة الشطرنج

المشهد اليمني اليوم ليس مجرد جبهات عسكرية متفرقة.

إنه أشبه برقعة شطرنج كبيرة تتحرك فوقها عدة أطراف في وقت واحد: الحوثيون، والقوى الجنوبية، والقوى اليمنية الأخرى، ودول الإقليم، والمبعوث الأممي، والقوى الدولية، وكل طرف يحاول حماية أوراقه قبل الوصول إلى التسوية النهائية.

وفي هذه اللعبة، لا تتحرك الدول الكبرى بدافع العواطف، ولا تقدم مصالحها على حساب مصالحها الاستراتيجية.

لذلك فإن انتظار موقف دولي «مثالي» تجاه الجنوب قد يكون ضربًا من الوهم السياسي.

السياسة الدولية لا تمنح الحقوق لمجرد أنها عادلة؛ وإنما تتعامل مع موازين القوة، والمصالح، والوقائع التي يصعب تجاوزها.

ومن هنا يجب أن يدرك الجنوب أن امتلاكه للقوة على الأرض مهم، لكنه ليس كافيًا وحده.

القوة تحتاج إلى رؤية سياسية، ووحدة موقف، وإدارة دبلوماسية، وقدرة على تحويل الإنجازات الميدانية إلى أوراق تفاوضية حقيقية.

الخلاصة

ما يجري في اليمن أكبر بكثير من البيانات الإعلامية التي نقرأها كل يوم.

المعركة الحقيقية ليست فقط بين بندقية وأخرى، وإنما بين مشاريع ومصالح إقليمية ودولية متشابكة.

والجنوب أمام فرصة تاريخية، لكنه أمام خطر تاريخي في الوقت ذاته.

الفرصة تتمثل في أن الواقع الذي فرضته القوى الجنوبية على الأرض جعل تجاهل القضية الجنوبية أكثر صعوبة.

أما الخطر، فيتمثل في أن يتحول هذا الدور العسكري إلى استنزاف طويل الأمد، بينما تبقى القرارات الكبرى معلقة في غرف التفاوض الدولية.

ولهذا، فإن المعركة الجنوبية المقبلة يجب ألا تكون معركة عسكرية فقط، بل معركة سياسية ودبلوماسية وإعلامية أيضًا.

فالجنوب يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في الميدان، لكنه يحتاج أكثر إلى أن يكون حاضرًا على طاولة صناعة القرار.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المشكلة في أن العالم لا يعرف ماذا يريد الجنوب؛ بل في أن العالم ينتظر أن يرى كيف سيحوّل الجنوب قوته وواقعه على الأرض إلى مشروع سياسي قادر على فرض نفسه في أي تسوية قادمة.

وهنا تحديدًا ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة.

فالذي يملك الأرض يستطيع أن يغيّر المعادلة، لكن الذي يملك الأرض والرؤية السياسية معًا هو من يستطيع أن يكتب نهاية اللعبة.

زر الذهاب إلى الأعلى