معركة ما بعد السلاح.. «حزب الله» يحشد شبكاته لحماية نفوذه

النقابي الجنوبي/خاص
كثّف «حزب الله» خلال الفترة الأخيرة تحركات شبكاته الاجتماعية والخدمية في عدد من المناطق التي دخلها الجيش اللبناني، في محاولة للحفاظ على نفوذه بين السكان ومنع تحول الانتشار العسكري للدولة إلى حضور دائم يرتبط بالخدمات والحياة اليومية، وفق مصدر أمني لبناني تحدث لـ«إرم نيوز».
وقال المصدر إن الحزب «يدخل إلى القرى خلف الجيش تقريباً»، لكن من دون مظاهر عسكرية، مستعيناً بمؤسساته وشبكاته المحلية لتوزيع مساعدات مالية وسلال غذائية وأدوية واحتياجات أساسية، بالتزامن مع تسجيل أضرار المنازل وتقديم وعود للمتضررين بأن ملف إعادة الإعمار لن يُترك للدولة وحدها.
وبحسب المصدر، لا تقتصر هذه التحركات على الإغاثة، بل تستهدف إبقاء المواطن داخل شبكة الحزب الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في القرى التي تحاول الدولة تثبيت وجودها فيها بعد سنوات من حضور محدود لمؤسساتها أمام نفوذ «حزب الله».
سباق على القرية
تكتسب هذه التحركات أهمية مع بدء الدولة اللبنانية استخدام ما يعرف بـ«المناطق التجريبية» نموذجاً لاستعادة حضورها في الجنوب، من خلال ربط انتشار الجيش بإعادة الخدمات وفتح الطرق وإصلاح البنية التحتية وتهيئة الظروف لعودة السكان.
وكان رئيس الحكومة نواف سلام أعلن من زوطر الغربية في يوليو/تموز أن انتشار الجيش سيترافق مع فتح الطرق وتقديم الخدمات والعمل على إعادة الحياة الطبيعية.
لكن المصدر الأمني يقول إن «حزب الله» يتحرك لمنع تشكل معادلة جديدة لدى السكان، يصبح فيها الجيش والدولة عنواناً لعودة الحياة إلى القرى، بدلاً من مؤسسات الحزب وشبكاته التي تولت لسنوات تقديم جانب واسع من الخدمات والمساعدات.
وتقدم شهادة إحدى السيدات، وفق المصدر، صورة عن حجم الفجوة الخدمية التي يستفيد منها الحزب. وتقول السيدة إن عائلتها لا تنتمي إلى «حزب الله»، لكنها حصلت من الحزب ومؤسسات مرتبطة به على العلاج والدواء والفحوص الطبية، إلى جانب دفعات مالية شهرية وصناديق مساعدات، بينما لم تحصل، بحسب شهادتها، على شيء مماثل من الدولة.
وفي حالة أخرى، تكفلت «مؤسسة الشهيد» التابعة للحزب بتوفير منزل وتأثيثه لعائلة أحد مقاتليه الذين قتلوا، إضافة إلى دفع الإيجار وأقساط تعليم الأطفال وتوفير الرعاية الصحية والدعم النفسي الدوري للأسرة.
ولا تمثل هذه الآلية جديداً في عمل الحزب. فقد لعبت «جهاد البناء» تاريخياً دوراً بارزاً في المناطق المتضررة، بدءاً من معاينة المنازل وتسجيل الأضرار، وصولاً إلى الترميم وإدارة عمليات الإعمار.
وهكذا امتدت شبكة الحزب، وفق المادة، من لحظة تعرض المنزل للضرر إلى مرحلة ترميمه وعودة الأسرة إليه، لتصبح الخدمات وإعادة الإعمار جزءاً من منظومة ارتباط يومي بالسكان.
الدولة أمام اختبار مختلف
الجديد، بحسب المصدر الأمني، أن هذه المنظومة تتحرك في اللحظة نفسها التي تحاول فيها الدولة اللبنانية ملء الفراغ الذي سمح للحزب طوال عقود ببناء شبكة اجتماعية وخدمية موازية.
ولا يرى المصدر المنافسة باعتبارها سباقاً على تقديم المساعدات فقط، بل صراعاً على المرجعية التي يعود إليها السكان عند الأزمات: من يوفر العلاج؟ ومن يعوض صاحب المنزل؟ ومن يعيل الأسرة التي فقدت مصدر دخلها؟ ومن يملك القدرة على إعادة بناء القرية؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع حجم الأضرار التي خلفتها الحرب. فقد قدرت أبحاث لبنانية عدد الوحدات السكنية المتضررة أو المدمرة في الجنوب بنحو 85 ألف وحدة، فيما لا يزال سكان عشرات القرى غير قادرين على العودة بصورة طبيعية.
في المقابل، يعمل الجيش اللبناني على فتح الطرق وترميم الجسور وإزالة العوائق والذخائر غير المنفجرة لتسهيل عودة السكان، في محاولة لتحويل وجود الدولة من انتشار أمني إلى حضور مرتبط مباشرة بالخدمات والحياة اليومية.
ويعني ذلك أن نجاح الدولة في تثبيت حضورها لا يتوقف، وفق الطرح الوارد في المادة، على انتشار الجيش داخل القرى، وإنما على قدرتها على توفير الخدمات التي يحتاج إليها السكان بعد عودتهم.
النفوذ داخل البيئة الشيعية
ولا تقتصر المنافسة على الخدمات وإعادة الإعمار. فقد ظهرت داخل البيئة الشيعية نفسها، بعد الحرب، أصوات أكثر جرأة في تحميل خيارات «حزب الله» جزءاً من مسؤولية الدمار والخسائر.
وفي مايو/أيار، وقع مئات الناشطين والشخصيات في النبطية وصور عرائض تطالب بإعلان المدينتين منطقتين مفتوحتين ومنزوعتي السلاح.
وقال جمال بدران، عضو مجلس بلدية دير الزهراني حينها، إنه تعرض مع آخرين لاتهامات بالخيانة بسبب انتقاد الحزب، مؤكداً أن المدنيين هم الذين يدفعون ثمن الحرب.
وبحسب المصدر الأمني، يخشى «حزب الله» انتقال هذه الاعتراضات من أصوات فردية إلى تيار اجتماعي داخل الجنوب، ولذلك يسعى إلى الحفاظ على مؤيديه ومنع تشكل بيئة شيعية مستقلة عنه.
ويقول المصدر إن ذلك يتم عبر إبقاء أكبر مساحة ممكنة من الخدمات والمساعدات والبلديات والمؤسسات المحلية مرتبطة بشبكاته، بالتوازي مع ضغوط اجتماعية وسياسية على المنتقدين واتهام الخارجين عن خيارات الحزب بإضعاف «المقاومة» أو خدمة خصومها.
منظومة تتجاوز السلاح
ويرى الباحث السياسي مازن بلال أن ما يجري هو «معركة على المجتمع قبل أن يكون معركة على السلاح»، موضحاً أن «حزب الله» بنى خلال عقود منظومة تجعل ارتباطه ببيئته جزءاً من الحياة اليومية، بدءاً من المدرسة والمستوصف والمساعدات الاجتماعية، وصولاً إلى التعويض وإعادة الإعمار.
وقال بلال لـ«إرم نيوز»: «إذا دخل الجيش قرية ثم بقي المواطن محتاجاً إلى حزب الله للحصول على الدواء أو المال أو إصلاح منزله، تكون الدولة استعادت الأرض أمنياً لكنها لم تستعد المجتمع».
ويضيف بلال أن الحزب يدرك أن خسارة تفوقه في تقديم الخدمات يمكن أن تؤدي تدريجياً إلى تراجع قدرته على ضبط بيئته، ولذلك سيحاول إبقاء المواطن داخل شبكته الاجتماعية والاقتصادية، فيما تواجه الأصوات الخارجة عن الإجماع الذي يفرضه ضغوطاً سياسية واجتماعية واتهامات بإضعاف المقاومة أو خدمة خصومها.
ويشير إلى أن نجاح الدولة «لن يقاس بعدد المواقع التي يدخلها الجيش فقط، وإنما بقدرتها على جعل المواطن الجنوبي يشعر بأن لديه بديلاً حقيقياً ومستداماً عن الحزب».
بهذا المعنى، تنتقل المنافسة في الجنوب إلى مساحة أوسع من السلاح والمواقع العسكرية. فالجيش يحاول تثبيت سلطة الدولة على الأرض، بينما يعمل «حزب الله» على حماية شبكة النفوذ التي بناها داخل المجتمع عبر الخدمات والمساعدات وإعادة الإعمار.
وتكمن أهمية هذه المعركة في أن السيطرة على الأرض يمكن أن تبدأ بانتشار عسكري، لكن تثبيت حضور الدولة بين السكان يحتاج إلى خدمات مستدامة وقدرة على معالجة احتياجاتهم اليومية. وفي المقابل، يراهن الحزب على شبكاته الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على موقعه، حتى في المناطق التي يتقدم فيها حضور مؤسسات الدولة.