اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الفاتح من أيلول: حين صارت الذاكرة جيشًا

د. مريم العفيف

في بعض الأيام لا يكون التاريخ مجرد تقويمٍ يمرّ على هيئة أرقام، بل يتحول إلى ضميرٍ حيّ، وإلى معنى يتجاوز الزمن ليستقر في وجدان الأمة بوصفه لحظة تأسيس لا لحظة مرور. وفي بعض اللحظات النادرة، لا تُولد الجيوش من ثكناتٍ ومعسكراتٍ فحسب، بل من رحم الحاجة إلى البقاء، ومن نداء الأرض حين تستغيث بأبنائها، ومن الشعور العميق بأن الوطن إذا لم ينهض لحراسة نفسه فلن ينهض عنه أحد. هكذا جاء الفاتح من أيلول في الوعي الجنوبي: لا بوصفه تاريخًا عسكريًا فحسب، بل بوصفه لحظةً تجسدت فيها روح الجنوب وهو ينهض من بين الأسئلة الثقيلة: من نحن؟ وكيف نحمي أنفسنا؟ وبأي قلبٍ نصون الوطن؟

لقد كان الجيش الجنوبي، في جوهره، أكثر من مؤسسة؛ كان تجسيدًا لفكرة السيادة حين تتخذ شكلًا بشريًا، وللكرامة حين ترتدي بزّةً عسكرية، وللوطن حين يمشي على قدمين. ومن يفهم الجيوش على حقيقتها يدرك أنها ليست مجرد أداةٍ للقتال، بل مرآةٌ لوعي الأمة بنفسها، وامتحانٌ لقدرتها على تحويل الانتماء إلى فعل، والحلم إلى نظام، والعاطفة الوطنية إلى قدرةٍ على الردع والحماية والبقاء. فالأمم الضعيفة تُستباح لأنها لا تعرف كيف تحرس ذاتها، أما الأمم الحية فتكتب وجودها أولًا في وجدان رجالها، ثم في انتظام صفوفهم، ثم في قدرتها على أن تقول للعالم، بلا ارتباك ولا تردد: هنا حدود الكرامة، وهنا يبدأ معنى الدفاع عن الحياة.

ليس الجيش مجرد بنيةٍ من الحديد والنظام، ولا مجرد اصطفافٍ للسلاح تحت رايةٍ مرفوعة؛ فالجيش، في المعنى الأعمق، هو الوعي حين يتجسد، والإرادة حين تخرج من صمتها، والهوية حين تضع يدها على كتف التاريخ وتقول له: أنا هنا. وما الجيوش في الأمم العظيمة إلا التعبير الأعلى عن لحظة نضجٍ وطني، حين تدرك الشعوب أن الحرية لا تُمنح، بل تُحرس؛ وأن السيادة لا تُعلن بالكلمات، بل تُثبت بالاستعداد؛ وأن الكرامة ليست خطابًا يُلقى في المواسم، بل نظامُ حياةٍ تتجسد فيه الدولة، وتنهض فوقه الجماعة، وتستند إليه الذاكرة. وفي الفاتح من أيلول، لم يولد جيشٌ فحسب، بل وُلدت فكرةُ الجنوب وهو ينهض على قدميه، يختبر قدرته على حماية نفسه، ويعلن للعالم أن الشعوب التي تعرف معنى الحرية لا تكتفي بالحلم بها، بل تصوغ لها درعًا وسيفًا ومصيرًا.

الجيش بوصفه فكرة وطنية
حين نتأمل ولادة الجيش الجنوبي، فنحن لا نتأمل ميلاد تشكيلٍ عسكريٍّ بالمعنى الضيق، بل نتأمل ميلاد إحدى الصور العليا لفكرة الدولة. لأن الدولة، قبل أن تكون مؤسسات، هي معنى؛ وقبل أن تكون حدودًا، هي إرادة؛ وقبل أن تكون إدارةً وقوانين، هي شعور الجماعة بأنها مسؤولة عن نفسها ومسؤولة عن مصيرها. ومن هنا فإن تأسيس الجيش الجنوبي لم يكن مجرد إجراءٍ تنظيمي، بل كان فعلًا سياسيًا وتاريخيًا يعلن أن الجنوب دخل مرحلة الوعي بذاته، وأنه لم يعد يكتفي بأن يكون ساحةً للأحداث، بل أراد أن يصبح فاعلًا في صنعها، وحارسًا لمعناها، ومقررًا لمصيره.

إن الجيش في هذه الرؤية لا يقف عند حد الحماية المادية، بل يتجاوزها إلى الحماية الرمزية. فهو الذي يصون المعنى حين تتعرض الأمم للتشويه، ويحفظ الكرامة حين تُستهدف الروح الجماعية، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأرضه وتاريخه. لذلك لا تُفهم الجيوش الوطنية على أنها مجرد أدوات اقتتال، بل بوصفها أجهزةً أخلاقيةً أيضًا، لأنها تحمل في ذاتها مفهوم الانضباط، واحترام القانون، وتحويل القوة إلى مسؤولية، والسلاح إلى عهدٍ أخلاقي لا إلى نزوة. ولعل هذا هو السرّ في أن الأمم حين تفقد جيوشها تفقد معها شيئًا من ذاكرتها، لأن الجيش ليس مجرد وحدةٍ في منظومة الدولة، بل هو الذاكرة وهي ترتدي هيئة الحارس.

وفي الحالة الجنوبية، تتضاعف هذه الدلالة. فالجيش الجنوبي لم يكن عند تأسيسه مجرد استجابةٍ لحظة أمنية، بل كان تمثيلًا لطموحٍ تاريخي أعمق: طموح شعبٍ أراد أن يصوغ نفسه بوصفه كيانًا قادرًا على حماية حدوده وإدارة توازناته والوقوف في وجه التهديدات التي قد تحيط به من الخارج أو الداخل. ومن هنا فإن الفاتح من أيلول ليس تاريخًا لتأسيس جيشٍ فقط، بل هو تاريخٌ لتأسيس علاقةٍ جديدة بين الإنسان الجنوبي وأرضه، علاقةٍ قوامها أن الأرض لا تُحبّ بالكلام، بل تُحمى بالفعل؛ وأن الانتماء لا يُقاس بما يُقال في الخطب، بل بما يُقدَّم في لحظات الشدة من تضحياتٍ وصبرٍ وصلابة.

من الذاكرة إلى الواجب
لكن الذكرى، مهما بلغت من القوة، تفقد معناها إذا تحولت إلى طقسٍ احتفاليٍّ خالٍ من المسؤولية. فالذكرى الحية ليست التي تُستدعى لتزيين الخطابات، بل التي تُستدعى لتجديد العهد. ولهذا فإن استحضار الفاتح من أيلول ينبغي ألا يُقرأ بوصفه استدعاءً لزمنٍ مضى وانقضى، بل بوصفه استدعاءً لواجبٍ لا يزال قائمًا: واجب حماية المعنى الذي مثّله الجيش الجنوبي حين وُلد، وواجب صون الهوية التي جعلت من هذا الجيش رمزًا للسيادة والكرامة والانضباط والوفاء.

إن المجتمعات التي تكتفي بالحنين إلى أمجادها ولا تبني عليها حاضرها، تُحوّل التاريخ إلى زينة. أما الأمم التي تفهم الذاكرة بوصفها طاقة عملٍ، فإنها تجعل من الماضي قوةً تدفعها إلى المستقبل. ومن هنا فإن الفاتح من أيلول لا ينبغي أن يبقى في حدود الاستعادة العاطفية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وعي: كيف تُبنى المؤسسة العسكرية الوطنية على أسسٍ حديثة؟ كيف يُصان الانضباط؟ كيف تُربط القوة بالأخلاق؟ كيف تتحول الذكرى إلى دافعٍ لإعادة بناء ما تهدم من المعاني والمؤسسات والقدرات؟ هذه الأسئلة ليست ثانوية، بل هي عين الوفاء لجوهر المناسبة.

فالجيش الجنوبي في دلالته التاريخية ليس مجرد ماضٍ مجيد نُشيد به، بل هو معيارٌ نقيس به الحاضر، ومقياسٌ نزن به مقدار ما بقي من الصلابة الوطنية، ومن القدرة على صيانة السيادة، ومن الإيمان بأن الجنوب لا يمكن أن يقوم من دون ذراعٍ تحميه، وعقلٍ يديره، وضميرٍ يستبقي فيه المعنى الأخلاقي للقوة. لأن القوة إذا انفصلت عن الأخلاق تحولت إلى غلبة، وإذا انفصلت عن الوطن صارت أداةً بلا روح، وإذا انفصلت عن الذاكرة غدت جسدًا بلا هوية. أما الجيش الجنوبي، في صورته المثلى، فهو التقاء القوة بالمعنى، والسلاح بالمبدأ، والانضباط بالحرية، والواجب بالكرامة.

الجنوب والامتحان التاريخي
لقد عرف الجنوب، مثل كثير من الأمم التي اختبرت الجرح والتشظي والهيمنة، أن التاريخ لا يمنح الشعوب امتحاناته مجانًا. فكل شعبٍ يُختبر في أقدر ما يملك من أدوات البقاء، والجيش واحدٌ من أقدس هذه الأدوات وأكثرها حساسية. والجنوب حين أسس جيشه لم يكن يستجيب فقط لضرورات أمنية آنية، بل كان يضع لبنةً في صرح الوجود السياسي المستقل، مؤكدًا أن الأمة التي تريد أن تعيش بحرية لا بد أن تملك القدرة على حماية نفسها من العبث، ومن التهديد، ومن محاولات الإلغاء والتفكيك.

وهنا تتجلى المفارقة التاريخية الكبرى: أن ما يُبنى بجهد الشعوب وإرادتها يمكن أن يتعرض لاحقًا لمحاولات المسح والتشويه والإضعاف، لكن الذاكرة الوطنية لا تموت بسهولة. قد تُكسر المؤسسة، وقد يُشوَّه المسار، وقد تتعرض البنية العسكرية للتفكيك، لكن الفكرة التي أنتجت الجيش تبقى، لأنها لم تُبنَ من طينٍ عابر، بل من إدراكٍ عميق لضرورة الوجود. ولذلك فإن استحضار الفاتح من أيلول اليوم هو في أحد أبعاده فعل مقاومةٍ للطمس، ومواجهةٌ لمحاولات تحويل التاريخ الجنوبي إلى هامش، وإصرارٌ على أن ما وُلد من رحم الكرامة لا يموت، حتى وإن تعرض للخذلان أو التآكل أو التشويه.

من المسخ إلى الاستعادة
فالحديث عن الفاتح من أيلول لا يكتمل إلا حين يُردف بالحديث عن الجيش الذي صمد في وجه محاولات المسخ، واجتثاث الاحتلال، وإعادة بناء المعنى العسكري الوطني على أسسٍ جنوبية خالصة. ذلك الجيش الذي لم يكتفِ بأن يحفظ الذاكرة، بل حوّلها إلى واقعٍ متجدد، حتى جاء استعراض 30 نوفمبر 2025م ليعلن أن القوات الجنوبية لم تعد مجرد فكرة مقاومة، بل قوةٌ قائمةٌ، متماسكةٌ، تستعيد موقعها الطبيعي في معادلة الأرض والهوية والسيادة. وهكذا يلتقي الفاتح من أيلول بـ30 نوفمبر؛ الأول يوم الولادة، والثاني يوم الشهود والظهور، وبينهما يمتد خيطٌ واحد اسمه الجنوب.

هذا الربط ليس زينةً بلاغية، بل هو جوهر الحكاية الجنوبية الحديثة: يوم تأسست الفكرة، ويوم عادت إلى المشهد في صورةٍ أكثر رسوخًا. فالاستعراض العسكري في عدن يوم 30 نوفمبر 2025م لم يكن مجرد فعالية احتفالية، بل إشارة سياسية وعسكرية بالغة الدلالة، لأنه ظهر بوصفه أول عرض عسكري للقوات المسلحة الجنوبية منذ 1989م، وبحضورٍ رسمي وشعبي واسع، وبجاهزيةٍ وتنظيمٍ وانضباطٍ عكست عودة الروح المؤسسية إلى قلب العاصمة الجنوبية.
الذاكرة حين تصير قوة
إن الذاكرة حين تُحرس بالإرادة لا تبقى ذكرى فقط، بل تتحول إلى قوةٍ فعلية. هكذا يُفهم الجيش الجنوبي في امتداده التاريخي: ليس كنصٍّ في الماضي، بل كطاقةٍ مؤسِّسة تُنتج الحاضر وتمنحه شرعية المعنى. ومن هنا فإن 30 نوفمبر 2025م لم يكن مجرد مناسبةٍ للاحتفاء، بل لحظةً كشفت أن الجنوب قادرٌ على أن يستعيد صورته المؤسسية العسكرية، وأن يبعث برسالة واضحة مفادها أن القوات الجنوبية ليست طارئة على الجغرافيا ولا على الوجدان، بل هي ابنة الأرض ووارثة الذاكرة وحارسة المستقبل.

وهذا كله يعيدنا إلى الفاتح من أيلول بوصفه أصل الحكاية. فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بلحظة التأسيس، بل بقدرتها على البقاء داخل الوجدان، وعلى التحول من حدثٍ إلى فكرة، ومن فكرةٍ إلى مسار، ومن مسارٍ إلى هوية. والجيش الجنوبي، في صورته الرمزية والتاريخية، فعل ذلك تمامًا: وُلد من حاجة الجنوب إلى نفسه، ثم صار جزءًا من تعريفه لذاته، ثم عاد بعد العقود الصعبة ليبقى شاهدًا على أن ما يُبنى بالوعي لا ينهار في الذاكرة، حتى لو تعرّض في الميدان لأشد العواصف.
خاتمة الوجدان الجنوبي
إن الفاتح من أيلول، في أعمق معانيه، ليس يومًا لتذكّر سلاحٍ رُصّت صفوفه، بل يومًا لتذكّر فكرةٍ وُلدت من رحم الحاجة إلى الحرية. وليس يومًا لتقديس الماضي، بل يومًا لإعادة ربط الماضي بالمستقبل عبر مسؤولية الحاضر. ففي هذا اليوم، وُلد الجيش الجنوبي بوصفه صورةً للجنوب وهو يقرر أن يكون سيد نفسه، وحرًّا في اختياره، وصامدًا في وجه ما يتهدد وجوده. ولهذا تبقى المناسبة أكبر من حدودها الزمنية، لأنها تمسّ سؤالًا جوهريًا في حياة الشعوب: كيف تتحول الذاكرة إلى قوة؟ وكيف يصير التاريخ ضميرًا؟ وكيف يغدو الجيش، حين يكون وطنيًا وأصيلًا، تعبيرًا عن روح الأمة لا مجرد ذراعٍ من أذرعها؟

إن الجواب الذي يقدمه الجنوب في هذه الذكرى واضحٌ وعميق: إن ما يولد من الكرامة لا يندثر، وما يُكتب بالوفاء لا يُمحى، وما تأسس في حضن الأرض ووجدان الشعب يبقى حيًا حتى وإن تأخر حضوره أو تعثرت تجلياته. ومن هنا فإن الفاتح من أيلول سيبقى، في الوعي الجنوبي، يومًا حين صارت الذاكرة جيشًا، وصارت الكرامة مؤسسةً، وصار الوطن فكرةً تمشي على قدمين، وتحرس اسمها بصدور رجالها، وتكتب مستقبلها بلغةٍ لا تفهمها إلا الشعوب التي آمنت أن الحرية لا تُستعار، بل تُصان.

زر الذهاب إلى الأعلى