الذكرى الـ 55 لعيد الجيش: الجنوب من ذكرى الدولة إلى تأسيس مداميك استعادتها

بقلم: د. أمين العلياني
الجمعة 28 أغسطس2026
لم تكن لحظة الأول من سبتمبر عام 1971م مجرَّد اقتطاعٍ زمنيٍّ في روزنامة الأحداث، بل كانت تجلِّيًا فارقًا لإرادةٍ صلبةٍ انبعثت من بين ركام الاستعمار البريطاني، لتعيد صياغة مفهوم السيادة الوطنية الجنوبية عبر هندسة مؤسسةٍ عسكريةٍ استثنائيةٍ بكل المقاييس. فعلى أطلال كتلٍ متفرقةٍ وتشكيلاتٍ أمنيةٍ ومحليةٍ وُجدت لحماية السلاطين والمحميات—كجيش بادية حضرموت وليوي عدن—انطلقت الجبهة القومية بقرارٍ صارمٍ وصامتٍ لتنظيف العقيدة وتوحيد الرؤية، متوَّجةً ذلك النهار الاستثنائي بتخرج الدفعة الأولى من الكلية العسكرية في صلاح الدين بقلب البريقة في العاصمة السياسية عدن؛ إذ حُوّلت تلك الشظايا المتناثرة في أمدٍ قياسيٍّ إلى عقيدةٍ نظاميةٍ صارمةٍ لا تلين، تذوب على أعتابها كل الانتماءات الضيقة، فلا صدى يصعد فيها لصوت القبيلة، ولا مساحة تعلو فيها نبرة المناطقية، ليتشكل بنيانٌ مرصوصٌ يتنفس الولاء الصرف للجنوب والدولة ولا شيء سواهما.
وانسجامًا مع فلسفة بناء الدولة الحديثة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، شُيّد هذا الجيش على قواعد الهيكلة الشرقية الرصينة؛ حيث تكاتفت أكثر من ثماني عشرة دائرةً تخصصيةً تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان لتنسج أمانًا متكاملًا، وتدير المحاور العسكرية بمرونةٍ عملياتيةٍ نادرة. ومع صدور قانون الخدمة الوطنية لعام 1977م، تحول المجتمع في الجنوب برُمّته إلى رافدٍ حيويٍّ للمؤسسة العسكرية؛ إذ غدا تدفق الآلاف من خريجي الثانوية وموظفي الدولة سيلًا سنويًّا يمد الجبهات بدماءٍ فتيةٍ ومثقفةٍ؛ ليقفز القوام الجاهز إلى عشرات الآلاف من المقاتلين والأشداء في الاحتياط العام. ولم تكتفِ الدولة في الجنوب بتعزيز الأعداد، بل اندفعت نحو صناعة العقل العسكري بإصرارٍ يستهدف محو الأمية وتأهيل الكوادر، فأنشأت كليات ومعاهد القوى الجوية والبحرية ومدارس القادة، بالتوازي مع ابتعاث الآلاف من الضباط إلى أرقى الأكاديميات العالمية كـ فرونزه ولينينغراد؛ ليصبح التأهيل الأكاديمي والالتزام النظامي هما المعيار الوحيد للترقية والقيادة.
وفي ذروة تحوله الإستراتيجي، امتلك الجنوب قوةً ضاربةً أرهبت عوادي الزمن، بقوامٍ تجاوز الأربعين لواءً تتسلح بأحدث العتاد السوفيتي من دبابات T-72 وعربات BMP وراجمات الصواريخ، يسانده سياجٌ جويٌّ هو الأعتى والأشد حسمًا في شبه الجزيرة العربية، تتصدره مقاتلات الميج وقاصفات الخفاش المتمركزة في حصن العند المنيع، وتغطيه منظومات دفاعٍ موجهة لا تخطئ هدفًا. ولم تكن البحرية الجنوبية بألويتها الستة وزوارقها الصاروخية الرابضة في عدن والمكلا وسقطرى مجرد قوة حراسة، بل كانت ذراعًا إستراتيجيةً تجلت حنكتها وقدرتها المزلزلة حين خنقت الملاحة الإسرائيلية عند مضيق باب المندب إبان حرب أكتوبر 1973م بالتنسيق مع مصر العروبة، مؤكدةً أن الجنوب رقمٌ صعبٌ في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، تمامًا كما أثبتت ذودها الثابت وجاهزيتها العالية في حماية الحدود والتصدي المباشر لجميع التحديات العسكرية التي كانت تستهدف المنطقة العربية برُمّتها.
غير أن جرافات السياسة والصراع البيني الجنوبي الذي كان يغذيه نظام صنعاء وبعض القوى الإقليمية—ولاسيما طعنة يناير 1986م المؤلمة—شكل عائقًا كبيرًا استنزف هذه المؤسسة وأنهك كاهلها قبل أن تُساق إلى فخ الوحدة المغدورة عام 1990م. وجاءت محاولة دمج هذا الجيش الجنوبي ذي الولاء العقائدي الرصين مع تشكيلاتٍ يمنية قبليةٍ مشتتةٍ دون أسسٍ نظاميةٍ علمية لتؤدي سريعًا إلى اندلاع حرب صيف 1994م الظالمة، التي استهدفت تفكيك البنية التحتية لهذا الجيش العريق، وسرّحت أعدادًا هائلةً من ضباطه وكوادره الفذة في مأساةٍ تاريخيةٍ خططت لمحو الذاكرة العسكرية للجنوب برضا عربي وإقليمي انتقامًا من تجربة الدولة الناضجة في الجنوب.
غير أن التاريخ لا يُمحى بقرارات التعسف؛ إذ تقف الذكرى الـ 55 اليوم؛ لتؤكد أن أركان هذه التجربة الحية لم تكن مجرد أوراقٍ في أرشيف الماضي، بل هي المدماك الصلب، والروح الملهِمة، والركيزة الأساسية التي يُبنى عليها اليوم مشروع الجنوب التحرري في استعادة الدولة الجنوبية وتشييد قواتها المسلحة الحديثة. وتطمح إرادة شعب الجنوب اليوم إلى بناء هذه المؤسسة على أسسٍ من الكفاءة، والعلم، والانتماء الوطني الخالص؛ حتى لا يتمكن أي متسللٍ أرعن من جعل عقيدتها الوطنية مشروعًا عابرًا لجغرافيا الجنوب، أو جعلها سهلة الهضم والتذويب، أو تحويل ولاءها الوطني إلى ولاءٍ سلطويٍّ مشروطٍ بالراتب وشراء المواقف بالمال على حساب تضحيات الدم وقداسة الكرامة، والوصاية مقابل الندية واستقلال القرار، والتبعية بديلًا عن الولاء والانتماء والسيادة.