اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حكومة لا تحظى بالقبول جنوبياً… ومواطن يدفع ثمن العجز

خلود علي علوي

لم تعد أزمة الجنوب اليوم مجرد أزمة خدمات أو سوء أداء حكومي يمكن اختزالها في انقطاع الكهرباء، وانعدام الغاز، وارتفاع الأسعار، وتراجع مستوى الصحة والتعليم،وعدم صرف الرواتب ، وعدد من مظاهر سوء المعيشة. فقد أصبحت هذه الأزمات مظاهر معتادة تعبّر عن أزمة أعمق تتصل بطبيعة السلطة التي تدير الجنوب العربي منذ احتلاله عام 1994، والتي تكرر أدواتها في إنتاج الأزمات، وأساليب القهر والإذلال لشعب الجنوب، كما تكرر فشلها في إدارة شؤونه وتلبية احتياجاته.

ومن هذه الزاوية، فإن الحكومة القائمة حالياً منذ بداية العام 2026 تواجه إشكالية تتجاوز حدود الأداء الإداري. فهي، في نظر شعب الجنوب، لا تمثل تحولاً سياسياً يستجيب لتطلعاته، وإنما استمرار لمنظومة سياسية ينظر إليها الجنوبيون باعتبارها امتداداً للحكومات التي فُرضت عليهم بالقوة بعد حرب 1994، وما ترتب عليها من إقصاء وتهميش وإفقار وإعادة تشكيل لمؤسسات الدولة في الجنوب، بما يعكي استمرارا لنهج نظام الاحتلال.

وبذلك فإن فشل الحكومة الحالية لا يأتي منفصلاً عن سياق طويل من فشل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1994 في تقديم نموذج حكم يستجيب لإرادة الجنوب، أو يعالج آثار الحرب، أو يعيد الاعتبار للجنوب وشعبه وحقوقه السياسية والوطنية. فالمشكلة لم تكن في حكومة بعينها، وإنما في استمرار النهج ذاته، وتكرار الأدوات ذاتها، وإعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.

 

ومن ثم، فإن تجاهل هذا السياق عند الحديث عن الحكومة الحالية يقود إلى قراءة مبتورة للمشهد. فالمشكلة ليست فقط أن حكومة أخفقت في إدارة الخدمات، وإنما أن السواد الأعظم من المجتمع الجنوبي لا يرى فيها أصلاً الإطار السياسي الذي يعبر عن تطلعاته.

ومن هنا، فإن استمرار النهج ذاته لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة. فالمشكلة لا تُحل بتغيير الحكومات أو تبديل المسؤولين، ولا بمحاولة إخماد التعبير السياسي للقضية الجنوبية، المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ، وإنما بمعالجة أصل القضية الجنوبية والاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله.

ونلمس اليوم كيف تزداد الأوضاع المعيشية صعوبة، فيما تتراجع الخدمات الأساسية بصورة مستمرة، وتستنزف الأسعار دخول المواطنين، وتتزايد المخاوف المرتبطة بالوظيفة العامة والإقصاء السياسي، بالتزامن مع شكاوى ومخاوف بشأن التضييق على النشاط السياسي وملاحقة بعض السياسيين والناشطين، وما تعرضت له مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من إغلاق واقتحام ونهب لممتلكاته، بأساليب قهرية وخارج إطار القانون.

 

وبذلك أصبحت الحكومة أمام معادلة شديدة التعقيد: لا قبول سياسي لها جنوبياً، وأداء خدمي ومعيشي فاشل لا يساعد على توسيع قاعدة الثقة بها.

 

وهذه المعادلة لا يمكن معالجتها بالبيانات أو بتبادل المسؤولية مع الأطراف الأخرى. فالحكومات تُقاس في النهاية بما تستطيع أن تقدمه للمجتمع، ومدى قبوله لها، وبقدرتها على تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى أمن وخدمات واستقرار اقتصادي، وبمدى احترامها للقانون والحقوق العامة؛ وهي أمور تفتقر إليها، وتعكس فشلها.
فالمواطن لا يستطيع أن يعيش على تفسير الأزمة، بل يريد أن يرى طريقاً للخروج منها.

 

وفي هذا السياق، لا ينبغي فصل معاناة المواطن عن القضية السياسية. فالخدمات مهمة، لكنها ليست جوهر القضية الجنوبية. والجنوب الذي خرج أبناؤه في وقت مبكر في حراك سياسي، واستمر هذا الحراك حتى اليوم، لم تكن مطالبه الكهرباء والخدمات، وإنما كان يعبر عن اعتراض واحتجاج أعمق ضد نظام سياسي ووحدة فُرضت بالقوة، رأى فيها أبناء الجنوب احتلالاً لأرضهم وانتهاكاً تاريخياً لسيادتهم وتهميشاً سياسياً وإقصاءً لهويتهم الوطنية.
ومن هنا، فإن إبراز فشل الحكومة ومناهضة هذا الفشل لا ينبغي أن يكونا مجرد حملة احتجاجية مرتبطة بالخدمات، وإنما جزءاً من فعل سياسي ومجتمعي أوسع يضع هذا الفشل أمام الرأي العام، ويكشف عجز السلطة عن القيام بواجباتها، ويطالب بالشفافية والمساءلة، ويمنع تحويل معاناة المواطنين إلى واقع دائم تهيئة الشعب لتقرير مصيرة وبناء دولته الفيدرالية المستقلة.

وفي المقابل، فإن القوى الوطنية الجنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي للجنوبي العربي وحلفاؤه، مطالبة بأن تقدم نموذجاً مختلفاً في إدارة الشأن العام، وأن تثبت أن مشروعها السياسي لا يقتصر على رفض الواقع القائم، وإنما يمتلك رؤية سياسية وطنية واضحة لمواجهة الوضع الراهن، وترسم آفاق المستقبل بصورة واضحة.

 

فالمطلوب ألا يبقى المجلس الانتقالي وحلفاؤه في موقع رد الفعل على سياسات الحكومة، وإنما الانتقال إلى موقع الفعل السياسي المنظم، من خلال إبراز أوجه الفشل، وتعبئة المجتمع بصورة سلمية، وتوحيد الموقف الجنوبي، والدفاع عن الحقوق والحريات، وطرح البدائل السياسية التي تجعل من القضية الجنوبية مشروعاً واضح المعالم أمام الداخل والخارج وابتداع الوسائل الممكنة لتحقيقه.

فالمواطن الذي يعاني اليوم يريد أن يعرف ليس فقط لماذا يرفض هذا الواقع وكيف يقاومه، وإنما يريد أيضاً أن يعرف ماذا سيأتي بعده، وأن يرى ملامح مستقبله بصورة واضحة.

 

يريد أن يعرف كيف ستدار الدولة، وكيف ستوزع الموارد، وكيف ستبنى المؤسسات، وكيف ستضمن العدالة، وكيف ستحمى الحقوق والحريات، وكيف ستكون الوظيفة العامة بعيدة عن المحاصصة والإقصاء، وكيف ستتحول موارد الجنوب إلى خدمات وتنمية وفرص عمل.

 


وهنا تصبح معاناة المواطن جزءاً من صلب المشروع السياسي، لا قضية هامشية تضاف إليه.
والمطلوب اليوم هو بناء فعل شعبي ومدني وسياسي منظم وسلمي، يضع السلطة أمام مسؤولياتها، ويطالب بالشفافية والمساءلة، ويدافع عن الحقوق والحريات، ويرفض الإقصاء السياسي، ويجعل معيشة المواطن معياراً أساسياً لأهداف النضال.
فالمقاومة السلمية لا ينبغي أن تكون مجرد رد فعل على تدهور الخدمات، وإنما تعبيراً عن إرادة سياسية ومجتمعية ترفض استمرار الواقع القائم، وتطالب بحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، وتربط هذا الحق ببناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون حقوقهم وتحقيق العدالة بينهم.


وفي نهاية المطاف، فإن القضية الجنوبية لن تنتصر بمجرد تغيير موقع السلطة أو أسماء شاغليها، وإنما عندما يصبح المواطن الجنوبي قادراً على أن يرى في المستقبل الذي يناضل من أجله دولة جنوبية فيدرالية حرة ومستقلة، يعيش فيها متمتعاً بالعدالة والاستقرار والكرامة ، في ظل دولة جنوبية حرة، دولة المواطنة المتساوية، ودولة النظام والقانون والمؤسسات، ودولة الحرية والسيادة والعدالة والرفاهية.

المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يمثلنا#
الرئيس عيدروس الزبيدي قائدنا #

خلود علي علوي
27 /8 / 2026

زر الذهاب إلى الأعلى