اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الغاز في كشوفات التوزيع.. فمن يحدد وجهته بينما يبحث عنه المواطن الجنوبي؟

النقابي الجنوبي/تقرير/هشام صويلح

جلس مواطن جنوبي أمام أسطوانتي غاز، عاجزًا عن إخفاء غضبه. «أنا جائع، والشعب بأكمله جائع»، قالها وهو يشير إلى الأسطوانتين، قبل أن يلخص علاقة الحياة اليومية بهذه المادة: «البيوت ما تمشيش إلا بالغاز»، والسيارات والمطاعم تعتمد عليه، بينما يبحث الناس منذ أسابيع عن أسطوانة واحدة فلا يجدونها.

ليست هذه صرخة مواطن أمام طابور واحد. فالأزمة التي تظهر في الشارع الجنوبي اليوم تبدو أوسع وأقدم من نقص مؤقت في الإمدادات، وأبعد من أن تختصر في محافظة بعينها أو في أعمال صيانة جرت خلال الأسابيع الماضية.
فإذا كانت كميات الغاز تظهر في كشوفات التوزيع، فلماذا يبقى المواطن الجنوبي يبحث عنها؟

حين تغيّرت سوق الحوثيين عاد غاز مأرب إلى قلب المعادلة

لفهم الأزمة، لا بد من العودة إلى سوق الغاز نفسه. فقد كانت مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد في جانب من احتياجاتها على الغاز القادم من مأرب، قبل أن تدخل مصادر أخرى إلى المعادلة، بينها الغاز الإيراني. ومع اضطراب وانقطاع الإمدادات الإيرانية المرتبطة بالحرب الأخيرة، تغيرت احتياجات تلك السوق، وعاد غاز مأرب إلى موقع أكثر أهمية في تغطية الطلب.

وهنا تكمن حساسية المسألة بالنسبة للجنوب. فمأرب ليست مجرد مصدر آخر للغاز، بل تمثل أحد أهم مصادر الإمداد التي يعتمد عليها السوق الجنوبي، ما يجعل أي تغير في الطلب على إنتاجها أو في وجهة الكميات الخارجة منها قادرًا على الانتقال سريعًا من سوق إلى أخرى، ومن قرار في مسار الإمداد إلى أزمة أمام منزل جنوبي.

لكن ارتفاع أهمية مأرب لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ماذا يحدث للغاز منذ خروجه من مصدر الإنتاج حتى وصوله إلى المستهلك؟

من مأرب إلى الطابور.. أين تتغير وجهة الكمية؟

هنا تنتقل القضية من حجم الإنتاج إلى مسار الكمية. فالغاز لا يصل إلى المواطن بمجرد إنتاجه؛ هناك قاطرات، وتصاريح، ومحطات مستلمة، وكميات يفترض أن تنتقل من نقطة إلى أخرى وفق كشوفات محددة، وصولًا إلى المستهلك المنزلي.

ولهذا فإن وجود القاطرات في كشوفات الترحيل لا يكفي وحده لإثبات وصول الغاز إلى الأسر. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد خروج الكمية من موقع الإنتاج: من يحدد وجهتها؟ ومن يمنح التصريح؟ ومن يتابع القاطرة حتى تصل إلى المكان المحدد؟ ومن يطابق الكمية التي خرجت بالكمية التي وصلت وبالكمية التي بيعت للمستهلك؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا إداريًا. ففي سوق تعاني نقصًا حادًا، يمكن لأي انحراف في مسار الكميات أو في أولويات التوزيع أن يتحول مباشرة إلى طوابير وأسعار أعلى في الجنوب.

ومن هنا يصبح البحث في الأزمة بحثًا في الجهة التي تدير هذا المسار، لا في الأسطوانة الفارغة وحدها.

بن وهيط أمام مساءلة من داخل منظومة الغاز

لا يمكن تجاوز محسن بن وهيط، المدير العام التنفيذي للشركة اليمنية للغاز، عند البحث في هذه المسؤولية. فالمساءلة هنا لم تأتِ من المواطن وحده، بل ظهرت أيضًا من داخل منظومة إدارة الغاز نفسها.

ففي أغسطس، وجهت غرفة العمليات المشتركة للغاز انتقادات مباشرة إلى إدارة الشركة، وطالبت بالتحقيق في ممارسات منسوبة إلى بن وهيط وملفات مرتبطة بالتهريب. كما تحدث رئيس الغرفة عن مسؤولية بن وهيط عن جانب من الأزمة، واتهمه بتقديم روايات كاذبة ومضللة بشأنها، وبمنح مئات التصاريح لمحطات كبار المستهلكين، معتبرًا أن ذلك أثر في الكميات المتاحة للاستهلاك المنزلي.

وتكتسب هذه الانتقادات وزنًا إضافيًا من طبيعة الجهة التي صدرت عنها؛ إذ إن من مهام غرفة العمليات المشتركة مكافحة تهريب الغاز ومتابعة القاطرات حتى وصولها إلى وجهاتها. ولذلك فإن مطالبتها بالتحقيق في ملفات مرتبطة بالتهريب لا تبدو مجرد خلاف إداري عابر، بل تضع طريقة إدارة مسار الغاز نفسه أمام المساءلة.

وإذا كان المسؤول عن متابعة هذا المسار يواجه مثل هذه الاتهامات من جهة تعمل أصلًا في الرقابة على حركة الغاز، فإن القضية لا تعود مجرد مشكلة بين المواطن وشركة حكومية، بل تصبح سؤالًا عن كيفية إدارة مورد أساسي في وقت يعاني فيه المستهلك المنزلي نقصًا حادًا.

أخطر الاتهامات: الغاز الذي يبحث عنه المواطن الجنوبي.. أين يذهب؟

الأخطر من ذلك أن الاتهامات لا تتوقف عند سوء التوزيع أو منح التصاريح. إذ تتحدث مصادر وتقارير عن توجيه كميات من الغاز إلى مناطق سيطرة الحوثيين، رغم النقص الذي تعانيه المحافظات الجنوبية، مع اتهامات بأن شبكات مرتبطة بهذا المسار تحقق أرباحًا كبيرة من الفارق بين السعر الرسمي والسوق السوداء.

وهنا تتخذ الأزمة بُعدًا أكثر خطورة. فندرة الغاز ترفع قيمته خارج القنوات الرسمية، والفارق بين السعر الرسمي والسوق السوداء يخلق حافزًا اقتصاديًا قويًا لإعادة توجيه الكميات بعيدًا عن السوق التي يفترض أن تصل إليها. وإذا كانت هناك كميات تُمنع أو تتأخر عن الاستهلاك المنزلي بينما تجد طريقها إلى سوق أخرى، فإن المواطن لا يواجه عندها مجرد نقص في الإنتاج، بل مشكلة في وجهة المورد نفسه.

كما أن وجود اعتراف رسمي بوجود تهريب للغاز إلى مناطق الحوثيين يجعل هذه المسألة غير قابلة للدفن تحت عنوان عام مثل «أزمة توزيع». فالاعتراف بوجود التهريب لا يعني تلقائيًا ثبوت تورط بن وهيط أو أي مسؤول بعينه، كما أن الاتهامات المتداولة لا تتحول بمجرد تداولها إلى إدانة قضائية؛ لكنها تجعل فتح ملف التهريب ومسارات الكميات والتحقيق في المسؤوليات أمرًا لا يمكن القفز فوقه.

والسؤال هنا ليس فقط: من يُهرب؟ بل أيضًا: من يملك القدرة على تمرير الكمية، ومن يراقبها، ومن يستفيد من الفارق المالي عندما تنتقل سلعة مدعومة من مسارها الرسمي إلى سوق أعلى سعرًا؟

هذه أسئلة تحتاج إلى تحقيق موثق، لكنها أخطر بكثير من أن تُختصر في رواية تقول إن المواطن ينتظر فقط بسبب عطل فني.

الصيانة.. عطل حقيقي لا يفسر أزمة عمرها ثلاثة أعوام

تقول الشركة اليمنية للغاز إن أعمال الصيانة في معامل الإنتاج كانت أحد أسباب الاختناق الأخير في الإمدادات. لكن التسلسل الزمني يضع هذه الرواية أمام سؤال يصعب تجاهله: أعمال الصيانة بدأت في 26 يونيو، وأعلنت الشركة انتهاءها في 16 أغسطس، ثم أُعلن في 18 أغسطس عن توقف معمل CPU-2 في صافر إثر خلل فني أدى إلى انخفاض حاد في إنتاج الغاز المنزلي. فكيف تنتهي أعمال صيانة استمرت قرابة شهرين، ثم يظهر بعد يومين فقط خلل جديد يعيد الإنتاج إلى دائرة الاختناق؟

المفارقة لا تقف عند الفاصل الزمني القصير بين انتهاء الصيانة وظهور العطل؛ إذ إن رئيس غرفة العمليات المشتركة للغاز تحدث في أغسطس عن أزمة ممتدة لنحو ثلاثة أعوام. وبذلك لا تبدو الصيانة، مهما كان أثرها في الإنتاج، تفسيرًا كافيًا لأزمة سبقتها بسنوات. وحتى الخلل الذي ظهر في 18 أغسطس يمكنه أن يفسر تراجعًا جديدًا في الإنتاج، لكنه لا يفسر لماذا كانت الأزمة قائمة قبل أن يبدأ أصلًا العمل في الصيانة في 26 يونيو.

المشكلة، إذن، ليست في إنكار احتمال وجود أعطال فنية، وإنما في حدود التفسير الذي تقدمه. فحين تبدأ الصيانة في يونيو، وتنتهي في أغسطس، ثم يظهر عطل جديد بعد انتهائها مباشرة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الصيانة قد عالجت أصل المشكلة أم عالجت جزءًا منها فقط، ولماذا ينتقل نقص الغاز من مبرر فني إلى آخر فيما تبقى الأزمة نفسها قائمة.

وهذه المفارقة الزمنية مهمة لأنها تمنع اختزال أزمة ممتدة لسنوات في حدث فني وقع خلال أسابيع. الصيانة قد تفسر جزءًا من نقص الإنتاج في فترة معينة، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير أزمة يقول المسؤول عن غرفة العمليات إنها مستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام. ومن هنا ينتقل التحقيق إلى ما هو أبعد من المعمل نفسه: إلى المسار الذي تسلكه الكميات المنتجة من موقع الإنتاج حتى تصل إلى المستهلك الجنوبي.

مصافي عدن ليست حلًا سحريًا.. لكنها تكشف مشكلة الاعتماد

لكن أزمة الغاز تكشف مشكلة أوسع من كفاءة الإنتاج والتوزيع: الجنوب نفسه لا يملك بديلًا محليًا كافيًا عن منظومة الإمداد التي يعتمد عليها.

وهنا تبرز مصافي عدن والبنية النفطية الجنوبية، ليس باعتبارهما حلًا سحريًا وفوريًا لأزمة أسطوانات الغاز، وإنما باعتبارهما جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بالقدرة على امتلاك البدائل. فاستمرار تعطيل أو ضعف البنية النفطية المحلية أبقى الجنوب أكثر اعتمادًا على مصادر وإمدادات تقع خارج أراضيه، ما يجعل أي اضطراب في تلك المنظومة قادرًا على الانتقال مباشرة إلى حياة المواطن.

وهذا يفتح سؤالًا لا يتعلق بالغاز وحده: لماذا لم تُستصلح مصافي عدن والبنية النفطية الجنوبية على مدى السنوات الماضية بما يعزز قدرة الجنوب على بناء منظومة طاقة أقل ارتهانًا لمصادر خارجية؟

لا يعني ذلك أن إعادة تشغيل المصافي ستنهي أزمة الغاز المنزلي بمجرد تشغيلها، لكنها تعني أن بقاء البدائل المحلية معطلة يترك الجنوب في موقع الطرف الذي ينتظر الإمداد، بدل أن يمتلك قدرًا أكبر من القدرة على إنتاجه وإدارته وتأمينه.

عندما تصبح الخدمة نقطة ضغط

المواطن لا يرى كل هذه التعقيدات في نهاية المطاف؛ يرى أسطوانة غاز لا يستطيع الحصول عليها، وطابورًا يمتد أمامه، وسعرًا يرتفع، وأزمة تتكرر فيما تتغير مبرراتها.

وهذا ما يجعل الغاز جزءًا من مشكلة خدمية أوسع. فعندما يصبح المواطن الجنوبي معتمدًا على منظومة لا يملك قرارها، ولا يملك بديلًا كافيًا عنها، فإن كل خلل فيها يتحول إلى نقطة ضغط مباشرة على حياته، كما يحدث مع الكهرباء والرواتب وغيرها من الخدمات الأساسية.

ومع تكرار هذه الأزمات وتراكمها، يصبح من الصعب التعامل معها جميعًا باعتبارها حوادث منفصلة أو أعطالًا عابرة؛ فإبقاء المواطن في دائرة الحاجة والانتظار، مع استمرار غياب البدائل والمعالجات الجذرية، يجعل الخدمات نفسها وسيلة ضغط فعلية عليه، سواء كان ذلك نتيجة سوء إدارة أو تضارب مصالح أو قرار متعمد. وفي كل الحالات، يبقى المواطن الجنوبي هو الطرف الأضعف، وهو من يدفع ثمن هذا الاختلال في كل مرة.

ومن هنا تصبح قضية الغاز أكبر من تأمين وقود للطبخ. إنها تكشف هشاشة وضع يكون فيه أبسط احتياجات الأسرة مرتبطًا بسلسلة قرارات ومصادر وطرق توزيع تقع في معظمها خارج قدرة المواطن على التأثير فيها.

من يملك قرار الغاز؟

في نهاية هذا المسار يعود السؤال الأول إلى الواجهة: الغاز موجود في كشوفات التوزيع، لكن المواطن الجنوبي ما زال يبحث عنه.

وبين إنتاج مأرب، وتغير احتياجات سوق الحوثيين، ومسارات القاطرات والتصاريح، والاتهامات المرتبطة بالتهريب، والمساءلة الموجهة إلى إدارة شركة الغاز، والأعطال التي تعاقبت بعد صيانة استمرت نحو شهرين، ثم غياب البديل المحلي القادر على تخفيف الاعتماد؛ تتشابك حلقات الأزمة بينما تبقى نتيجتها في المكان نفسه: حياة المواطن الجنوبي.

لهذا لا يكفي إعلان انتهاء صيانة، أو الحديث عن خلل فني، أو ضخ دفعة جديدة من الغاز. المطلوب أن يصبح مسار الغاز كله قابلًا للتتبع والمساءلة: من لحظة إنتاجه، إلى تحميله، إلى التصريح له، إلى وجهته، إلى وصوله للمستهلك؛ وأن يُفتح ملف التهريب والتحقيق في الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين، بالتوازي مع استعادة قدرة الجنوب على بناء بدائل محلية تقلل ارتهانه لمنظومة لا يملك قرارها.

فالمشكلة في النهاية ليست أسطوانة غاز فقط.

المشكلة أن موردًا أساسيًا يمكن أن يكون موجودًا في كشوفات التوزيع، بينما يبقى المواطن الجنوبي يبحث عنه في الطوابير. والسؤال الذي لا يمكن دفنه تحت مبرر الصيانة أو الخلل الفني هو: من يملك قرار الغاز، ومن يحدد وجهته، ومن يملك القدرة على إنهاء هذه الدوامة، ومن يترك المواطن يدفع ثمن استمرارها؟

زر الذهاب إلى الأعلى