حين يعجز الكذب عن الصمود.. تتغير الرواية

انور حزام
في البداية، خرجت «المخابرات العظمى» بكل ثقة لتقدم رواية مكتملة التفاصيل عن هروب عيدروس الزبيدي: طريقٌ محدد، وسفينةٌ معلومة، ووجهةٌ مرسومة، واتصالاتٌ مزعومة، وتحليلات وخرائط وأصوات، ثم أُضيفت إليها جرعة من التهم الجاهزة عن «خيانة الرفاق» و«التخلي عن المجموعة».
قيل كل ذلك وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
لكن عندما عجزت تلك الرواية عن إقناع الشارع، بل وعجز أصحابها عن إقناع أنفسهم بها، بدأت الرواية تتغير.
واليوم، تُدفع رواية أخرى إلى الواجهة: أن الرجل استشهد في غارة جوية في الأيام الأولى.
وهنا يبرز السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى خرائط ولا محللين ولا «مخابرات عظمى»:
إذا كانت رواية الهروب صحيحة، فكيف أصبح فجأة شهيداً في غارة؟ وإذا كانت رواية الاستشهاد صحيحة، فمن أين جاءت كل تلك التفاصيل عن الهروب والسفينة والاتصالات والخيانة؟
الروايتان لا يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه.
بل إن الانتقال من رواية إلى أخرى بهذا الشكل لا يكشف فقط حجم التخبط، وإنما يفتح الباب أمام أسئلة أخطر: من الذي صنع الرواية الأولى؟ ولماذا؟ ومن يقف خلف الرواية الجديدة؟ ولماذا ظهرت الآن؟
أما تحويل «الذباب الإلكتروني» من مهمة الترويج للهروب والخيانة إلى مهمة الترويج للاستشهاد، فهو بحد ذاته اعتراف غير مباشر بأن الرواية الأولى لم تصمد أمام الحقيقة.
عندما تتغير الرواية بتغير الحاجة، لا تعود أمام رواية إعلامية… بل أمام محاولة لإعادة كتابة الحقيقة وفق المصلحة.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأبواق التي كانت بالأمس تشرح للناس «كيف هرب وأين ذهب ومع من تواصل»، أصبحت اليوم تشرح لهم «كيف استشهد وأين استهدفته الغارة».
يا له من تخبط!
ويبقى السؤال مفتوحاً: من قتل الحقيقة أولاً… ومن يحاول اليوم دفنها برواية جديدة؟
أما أولئك الذين لا يتغير خطابهم إلا بتغير ما يُلقى إليهم، فليس لهم من وظيفة سوى النباح كلما وصلهم أمرٌ جديد من سيدهم.
التاريخ لا يُكتب بالذباب، والحقيقة لا تُقتل بتغيير الروايات.
(… السارق براسه قشاشة…)
#انور_حزام