ميرفت السلامي واتحاد “الشخص الواحد”.. قراءة في المستندات التي فضحت غياب النصاب والإشراف الوزاري

النقابي الجنوبي/خاص
أوقف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في العاصمة عدن ترخيص الاتحاد العام لنقابات عمال عدن، وأبلغ المحكمة الإدارية، في مخاطبة رسمية موجَّهة إلى رئيسها القاضي خليل عبد اللطيف، أن الدعوى التي رفعتها ميرفت السلامي للمطالبة بالاعتراف بشرعيتها رئيسةً للاتحاد تفتقر إلى الشروط الشكلية والقانونية مجتمعة. الخبر، في جوهره، حاسم. لكن ما وراءه يستحق أن يُفهم، لأن المسألة لا تمسّ اسماً بعينه، بل تمسّ حق كل عامل وموظف في أن يكون له صوت حقيقي داخل منظومة نقابية تمثلّه فعلاً.
ما الذي يقوله القانون؟
ينظّم قانون النقابات العمالية رقم (35) لسنة 2002 آلية تشكيل القيادات النقابية وتجديدها. القانون لا يترك الأمر مفتوحاً أمام الاجتهادات الشخصية، بل يرسم مساراً واضحاً: أي مؤتمر انتخابي جديد يجب أن يسبقه طلب رسمي يُقدَّم إلى مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، وتُحدد فيه مواعيد الانعقاد وقوائم الناخبين وآليات الترشيح. بعد ذلك، تُكلّف الوزارة مندوباً عنها يحضر المؤتمر شخصياً، ويتحقق من اكتمال النصاب، ويشرف على عملية الاقتراع، ويوقّع على المحاضر النهائية.
هذا ليس إجراءً بيروقراطياً زائداً. هو الضمانة الوحيدة التي تحول دون أن يستيقظ شخص ذات صباح، يعلن نفسه رئيساً لاتحاد يضمّ آلاف العمال، ثم يتوجه إلى المحكمة مطالباً بالاعتراف. القانون وضع هذه الخطوات ليحمي العامل البسيط قبل أن يحمي المؤسسة.
المندوب الغائب.. لماذا يُبطل كل شيء؟
تُظهر الوثائق الرسمية أن مكتب الشؤون الاجتماعية لم يتلقَّ أي طلب لعقد مؤتمر انتخابي جديد، ولم يُكلَّف أي مندوب عنه بالحضور أو الإشراف. في العرف القانوني النقابي، هذا ليس تفصيلاً ثانوياً يمكن تجاوزه. غياب مندوب الوزارة يعني أن لا أحد تحقّق من هوية الحاضرين، ولا أحد أعدّ الناخبين، ولا أحد راقب صندوق الاقتراع إن وُجد أصلاً.
بمعنى أبسط: لو أجرت لجنة نقابية في مرفق حكومي بعدن انتخابات داخلية لاختيار ممثلها، ثم اكتشفت أن أحداً من الجهات المشرفة لم يحضر، لكان من حق أي عامل أن يطعن في النتيجة. فما بالك باتحاد يُفترض أنه يمثّل عمال العاصمة بأكملها؟
الأرقام لا تكذب.. أين النصاب؟
تكشف المستندات أن النصاب القانوني لم يكتمل لغالبية رؤساء النقابات العامة في مرافق الدولة. والنصاب، لمن لا يعرفه، هو الحد الأدنى من الحضور المطلوب لانعقاد أي اجتماع أو مؤتمر بشكل شرعي. إذا كان الاتحاد يضمّ، على سبيل المثال، عشرين نقابة عامة، فإن القانون يشترط حضور أغلبية محددة من رؤسائها أو ممثليها المنتخبين حتى تكون قرارات المؤتمر ملزمة.
الوثائق لا تشير فقط إلى غياب هذا النصاب، بل تؤكد أن غالبية أعضاء المكتب التنفيذي السابق وقيادات اللجان النقابية المنتخبة قاطعت المؤتمر المُدّعى عقده. المقاطعة هنا ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل هي شهادة عملية من القواعد النقابية نفسها بأن ما جرى لا يمثلها ولا يعكس إرادتها.
اتحاد من شخص واحد
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر دلالة. فالهيكل التنفيذي للاتحاد، بحسب ما ورد في الوثائق، لا يمارس أي مهام فعلية تحت قيادة ميرفت السلامي. اللجان العامة لا تعترف بها. الأعضاء المنتخبون في المكاتب التنفيذية لا يعملون ضمن هذا الإطار. ما يبقى، في المحصلة، هو شخص واحد يحمل صفة رئيس اتحاد، بلا مكتب تنفيذي فاعل، بلا لجان نقابية معترفة، بلا قاعدة عمالية تعرفه أو انتخبته.
هذا الوضع لا يضرّ بالبنية المؤسسية وحسب، بل يحرم آلاف العمال والموظفين في مرافق الدولة بعدن من مظلة نقابية حقيقية تدافع عن حقوقهم، وتفاوض باسمهم، وتنقل مطالبهم. عندما يتحول الاتحاد إلى واجهة فردية، يصبح العامل وحيداً أمام إدارته، ويفقد أداة التمثيل التي كفلها له القانون.
القرار والمخرج
بناءً على اعتراضات قانونية تقدّم بها رؤساء اللجان النقابية في مختلف قطاعات ومرافق الدولة، اتخذ مكتب الشؤون الاجتماعية قراراً صريحاً بإيقاف ترخيص الاتحاد. وفي مخاطبته للمحكمة الإدارية، طالب المكتب برفض دعوى ميرفت السلامي شكلاً ومضموناً، وإلزامها بوقف الادعاء بتمثيل الاتحاد.
لكن إيقاف الترخيص ليس نهاية المطاف، بل بدايته. المخرج الذي ترسمه الوثائق واضح: تشكيل لجنة تحضيرية واسعة تضمّ ممثلين عن كافة اللجان الفرعية المنتخبة، تتولى الإعداد لمؤتمر عام شرعي، بإشراف رسمي كامل، يعيد للعمل النقابي في عدن استقلاليته وهيبته، ويضمن أن يختار العمال قياداتهم بأنفسهم، في انتخابات حرة لا يقررها شخص ولا تفرضها ظروف.