غداً ستشرق الشمس

أبوبكر المنصوري
من عدن العاصمة السياسية والتجارية، إلى لحج سلة الجنوب الزراعية، ومن أبين مهد الثورات إلى شبوة عمقها الاستراتيجي وثروتها، ومن حضرموت امتداد التاريخ والحضارة إلى المهرة حارسة البوابة الشرقية، ومن سقطرى الكنز البيئي العالمي إلى الضالع حصن الجنوب المنيع…
يقف الجنوبيون اليوم على مفترق طرق حاسم بين استكمال مشروع استعادة الدولة، وبين استنزاف طال أمده.
أولاً: السياسة واختبار الدولة
ثلاثة عقود من وحدة انقلبت إلى حرب واجتياح وتهميش، وعقد من صراع دموي كشف هشاشة المشاريع المستوردة. ورغم ذلك، لم تنطفئ شعلة الجنوب.
ولأول مرة منذ عام 1990، يمتلك الجنوب تمثيلاً سياسياً موحداً يفاوض ويشارك في إدارة المرحلة. والانتقال من مربع المقاومة إلى مربع الدولة لم يعد خياراً بل ضرورة فرضتها التضحيات.
إلا أن التحدي لم يعد في الخارج. التحدي اليوم هو الداخل: هل ننجح في تحويل البندقية إلى مؤسسة؟ وهل ننتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة الحلول؟
المواطن في المعلا والمكلا والغيضة وعتق لم يعد معنياً بالشعارات. سؤاله: متى تنتهي معاناة الكهرباء والماء والراتب؟
إن القيادة اليوم تقف أمام امتحان تاريخي: إما أن تكون بحجم دماء الشهداء، أو سيكتب التاريخ أن الفرصة أُهدرت.
ثانياً: الاقتصاد معركة الخبز والقرار
الوضع الاقتصادي يمثل الخاصرة الأضعف. انهيار العملة، وغلاء فاحش، وتدهور الخدمات، في وقت تتدفق فيه ثروات الجنوب النفطية والغازية والسمكية وموقعه البحري الاستراتيجي، والتي تشكل أكثر من 70% من موارد الدولة.
إن سياسة “إدارة الفقر” لم تعد مقبولة. فإلى متى تستمر هذه السياسة؟
المطلوب قرار اقتصادي جنوبي واضح يتمثل في: تشغيل مصافي عدن بالطاقة الكاملة، وتحويل ميناء عدن إلى منطقة حرة تنافسية، وحماية الثروة السمكية، ودعم الزراعة في دلتا أبين ولحج، ومواجهة الفساد كخطر وجودي لا يقل عن الإرهاب.
فالشعب الذي صبر على الحرب، لن يصبر طويلاً على الجوع.
ثالثاً: المجتمع وترميم النسيج
رغم محاولات التمزيق، يتماسك النسيج الاجتماعي الجنوبي. وعادت الحياة إلى الجامعات والمدارس، ونشطت الحركة الثقافية والرياضية. وهناك جيل جديد يرى في القضية الجنوبية مشروع دولة مدنية لا مشروع انتقام.
وتبقى المهمة الأهم هي اجتثاث إرث التشطير: المناطقية، والثأر، وخطاب الكراهية. فالجنوب الذي ننشده هو جنوب المواطنة المتساوية، الذي يتسع لابن حضرموت كما يتسع لابن عدن.
خاتمة: بوصلة الفجر
نعم، الطريق محفوف بالتحديات والتدخلات. ولكن التاريخ لا يكتبه اليائسون.
لقد دفع الجنوب ثمن حريته مقدماً. وهو اليوم أقرب إلى قراره من أي وقت مضى.
غداً ستشرق الشمس على كل شبر من أرض الجنوب. ستشرق على دولة تحترم القانون، واقتصاد يحفظ الكرامة، وقيادة تدرك أن الوطن أمانة لا مغنم.
ولن نعود إلى الوراء.