#في يوم الشباب العالمي.. المجتمع الذي يضع شبابه في الصفوف الأخيرة يكتب بيده تأجيل مستقبله

فاطمة اليزيدي
في الثاني عشر من أغسطس، لا يحتفل العالم بالشباب لأنهم مجرد فئة عمرية تمرّ في حياة المجتمعات ثم تنتهي، ولا لأن الأمم المتحدة أرادت أن تمنحهم يومًا من أيام السنة لتلتقط فيه الصور وتُلقى الكلمات المنمقة، وإنما لأن العالم أدرك، بعد تجارب طويلة وقاسية، أن المجتمع الذي لا يفتح أبواب المستقبل لشبابه إنما يغلق أبواب المستقبل على نفسه. الثاني عشر من أغسطس هو اليوم العالمي للشباب، والأمم المتحدة تؤكد أن الشباب شركاء أساسيون في صناعة التنمية والقرار، وأن المشاركة الحقيقية لهم لا ينبغي أن تكون استدعاءً موسميًّا عند الحاجة إلى التصفيق أو الحشد، بل حضورًا حقيقيًّا في صناعة السياسات واتخاذ القرارات وتنفيذها ومراقبتها. واليوم، يوجد نحو 1.2 مليار شاب وشابة بين 15 و24 عامًا، أي ما يقارب 16% من سكان العالم، فيما تقل أعمار نصف سكان العالم عن 30 عامًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا نحن في الجنوب ليس: هل للشباب يوم عالمي؟ وإنما السؤال الأكثر إيلامًا: هل للشباب مكان حقيقي في حاضرنا ومستقبلنا؟ هل نعامل الشاب الجنوبي صاحب الكفاءة على أنه ثروة وطنية ينبغي الاستثمار فيها، أم على أنه منافس محتمل على كرسي يريد أصحاب الكراسي أن يبقى بعيدًا عن متناول يده؟ هل ننظر إلى عمره باعتباره نقصًا في الخبرة، أم ننظر إلى علمه وكفاءته ونزاهته وقدرته على العمل باعتبارها معايير حقيقية للاستحقاق؟ وهل آن الأوان لكي نقولها بوضوح، ومن دون مواربة: الجنوب لا يعاني نقصًا في الشباب، وإنما يعاني نقصًا في منح الشباب فرصة حقيقية؟
المشكلة ليست في كبار السن، فالكبار أهل خبرة وتجربة، ومن الظلم أن يتحول الحديث عن تمكين الشباب إلى خصومة مع جيل سبقهم. الجنوب يحتاج خبرة الكبار وحيوية الشباب معًا، ويحتاج أن تتصافح التجربة مع العلم، وأن يجلس صاحب الخبرة إلى جانب صاحب الكفاءة، وأن تنتقل المعرفة من جيل إلى جيل بدل أن تتحول المناصب إلى ملكيات دائمة. القضية ليست أن نطرد الكبار من المشهد، وإنما أن نتوقف عن إغلاق المشهد أمام الشباب. القضية ليست في عمر الإنسان، بل في احتكار الموقع، وفي أن يصبح العمر وحده معيارًا للاستمرار، بينما تصبح الكفاءة والعلم والطاقة والقدرة على الإنجاز أمورًا ثانوية.
ما يؤلم أكثر أن شابًا جنوبيًّا قد يقضي سنوات عمره في الجامعة، ثم يواصل الدراسات العليا، ثم يتعلم لغة أو أكثر، ثم يتخصص في الإدارة أو الاقتصاد أو القانون أو الهندسة أو السياسة أو الإعلام أو التكنولوجيا، ثم يعود إلى وطنه وهو يحمل في رأسه مشروعًا وأفكارًا وتجارب، ليجد أن السؤال الأول الذي يُطرح عليه ليس: ماذا تستطيع أن تقدم؟ بل: من تعرف؟ ومن يقف خلفك؟ وأين موقعك من مراكز النفوذ؟ ومن يعرف صاحب القرار؟ عندها لا تكون المشكلة في الشاب، وإنما في البيئة التي جعلت الواسطة أقصر طريق من الكفاءة، وجعلت القرب من صاحب الكرسي أهم من القرب من الوطن.
أيها الجنوبيون، علينا أن نتذكر جيدًا أن الشباب لم يكونوا يومًا هامشًا في تاريخ الجنوب، ولم يكونوا زينةً في الصور الجماعية، ولم يكونوا جمهورًا ينتظر التعليمات. الشباب كانوا دائمًا في قلب الأحداث، في الجامعات والشوارع والساحات، في العمل المجتمعي والإعلامي، وفي ميادين النضال والمقاومة، وفي أكثر اللحظات التي كان فيها الوطن بحاجة إلى من يحمل عنه أثقاله. ومن غير المنطقي أن يكون الشاب مطلوبًا عندما ترتفع المخاطر، ومطلوبًا عندما تحتاج الساحات إلى الحشود، ومطلوبًا عندما تحتاج الجبهات إلى الرجال، ومطلوبًا عندما تحتاج المؤسسات إلى الموظفين والمتطوعين، ثم عندما يحين وقت توزيع مواقع المسؤولية يصبح فجأة “صغيرًا” و”قليل الخبرة” و”بحاجة إلى أن ينتظر”.
فأي منطق هذا؟
الشاب يكون كبيرًا عندما نحتاج إلى تضحياته، ثم يصبح صغيرًا عندما نحتاج إلى كفاءته؟ يكون رجلًا عندما يحمل السلاح، ويصبح طفلًا عندما يطلب موقعًا إداريًّا؟ يكون بطلًا عندما يقف في الصفوف الأمامية، ثم يصبح بلا خبرة عندما يريد أن يكون في الصفوف الأولى لصناعة القرار؟ هذه المفارقة ليست عادلة، ولا يمكن أن تصنع دولة، ولا يمكن أن تبني جنوبًا جديدًا، ولا يمكن أن تنتج مستقبلًا مختلفًا عن الماضي.
وحين نتحدث عن عام 2011، فإننا نتحدث عن جيل كامل كان في قلب الحراك الشعبي الذي هز اليمن. وفي الثالث من فبراير 2011 تحولت الاحتجاجات اليمنية إلى حركة جماهيرية واسعة قادها طلاب ونشطاء، وعُرفت مجموعة منهم باسم “شباب 3 فبراير”، ثم “شباب الثورة”، بينما كانت مدن الجنوب، وفي مقدمتها عدن، تشهد احتجاجات قوية أيضًا. وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن الاحتجاجات في الجنوب كانت قائمة أصلًا منذ عام 2007 ضمن الحراك الجنوبي، ثم جاءت أحداث 2011 لتتسع المطالب والاحتجاجات ضد نظام علي عبدالله صالح، بينما وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال عشرات المحتجين في عدن في فبراير 2011.
وهنا يجب أن نكون منصفين في قراءة التاريخ: لم تكن أحداث 2011 صناعة فئة واحدة أو حزب واحد أو شخص واحد، ولم يكن الشباب وحدهم في كل ساحاتها، فقد شاركت قوى سياسية واجتماعية متعددة. لكن الشباب كانوا في قلب الموجة الاحتجاجية، وكانوا من أبرز محركاتها، خصوصًا في الجامعات والساحات ووسائل التواصل والعمل الميداني. وفي عدن والجنوب تحديدًا، جاءت تلك الأحداث فوق إرث طويل من الاحتجاجات الجنوبية التي بدأت قبل ذلك بسنوات. وتوثيق الأحداث في عدن يؤكد أن المحتجين، ومن بينهم أطفال وشباب، دفعوا ثمنًا باهظًا، وسقط قتلى وجرحى في احتجاجات وصفت بأنها سلمية في كثير من مراحلها.
فكيف يمكن أن نحتفل اليوم بذكرى الشباب، ثم نتعامل مع الجيل الذي كان في ساحات تلك المرحلة وكأنه لم يكن موجودًا؟
كيف يمكن أن نتذكر تضحيات الشباب، ثم ننسى حقهم في المشاركة؟
كيف يمكن أن نطلب من شاب أن يؤمن بقضيته الجنوبية، ثم لا نعطيه مساحة حقيقية لكي يكون جزءًا من صناعة مستقبلها؟
هذه ليست أسئلة للترف، وليست محاولة لإشعال خلاف بين الأجيال، بل هي أسئلة مستقبل. لأن أي قضية سياسية أو وطنية لا تصنع جيلًا جديدًا من القيادات والأكاديميين والإداريين والاقتصاديين والدبلوماسيين والإعلاميين والمهندسين والخبراء، ستظل قضية معلقة على أسماء الأشخاص، لا على المؤسسات.
العالم فهم هذه الحقيقة مبكرًا. ولذلك لم تعد الدول الحديثة تتعامل مع الشباب على أنهم مجرد طاقة ينبغي السيطرة عليها، بل باعتبارهم رأس مال بشريًّا واستثمارًا طويل الأمد. الأمم المتحدة نفسها تقول بوضوح إن المشاركة المجدية للشباب تعني إشراكهم شركاء متساوين في وضع السياسات واتخاذ القرارات، من مرحلة تصميم الأفكار إلى التنفيذ والتقييم، لا أن يتم استدعاؤهم بعد انتهاء صناعة القرار لإبلاغهم بما تقرر. كما تشير إلى أن تمثيل الشباب في المؤسسات السياسية لا يزال منخفضًا عالميًّا؛ ففي عام 2016 لم يكن سوى نحو 2% من أعضاء البرلمانات حول العالم تحت سن الثلاثين، وكانت نسبة كبيرة من المجالس التشريعية تخلو تمامًا من أعضاء تحت الثلاثين.
وهذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا للغاية: حتى العالم الذي يتحدث كثيرًا عن تمكين الشباب لا يزال يعاني فجوة بين الكلام والممارسة، ولذلك فإن القضية ليست جنوبية فقط، لكنها في الجنوب تصبح أكثر إلحاحًا لأننا نحتاج إلى بناء مؤسسات وقواعد جديدة، لا إعادة إنتاج الأبواب المغلقة نفسها.
انظروا إلى العالم وستجدون أن العمر لم يعد حجة كافية لإقصاء الكفاءة. في دول مختلفة، وصل أشخاص إلى أعلى مواقع المسؤولية وهم في الثلاثينيات من أعمارهم، مثل إيمانويل ماكرون الذي أصبح رئيسًا لفرنسا وهو في التاسعة والثلاثين، وجاسيندا أرديرن التي أصبحت رئيسة لوزراء نيوزيلندا وهي في السابعة والثلاثين، وغابرييل بوريك الذي وصل إلى رئاسة تشيلي وهو في الخامسة والثلاثين. وفي آيسلندا أصبحت كرسترون فروستادوتير رئيسة للحكومة وهي في أواخر الثلاثينيات. لم تقل هذه الدول إن الشاب لا يصلح لأنه شاب، وإنما كان معيارها الأساسي هو الكفاءة والقدرة السياسية والإرادة والبرنامج والثقة الشعبية والمؤسسية.
وفي أماكن أخرى، كان الشباب في مقدمة الحركات التي غيرت مجتمعاتها. من ميادين الربيع العربي إلى الحركات المناخية والحقوقية، ومن الطلاب الذين هزوا أنظمة سياسية إلى رواد التكنولوجيا الذين غيّروا اقتصادات بأكملها، أثبت الشباب أن القوة ليست دائمًا في عدد السنوات التي عاشها الإنسان، وإنما في قدرته على فهم عصره وصناعة أدواته.
ومالالا يوسفزاي لم تنتظر حتى تبلغ الخمسين كي يصبح صوتها مسموعًا عالميًّا. وغريتا تونبرغ لم تقل إن عليها أن تنتظر دورها لأن الكبار أدرى منها. وفي كثير من البلدان، لم تعد الجامعات مكانًا لإعداد الشباب للوظائف فقط، بل أصبحت حاضنة للمبادرات والأفكار والقيادات المستقبلية.
لكن هناك مفارقة عالمية يجب أن نتوقف أمامها طويلًا: في أوقات الأزمات، تتقدم المجتمعات بطلب الشباب إلى الصفوف الأولى، وفي أوقات القرار قد تتراجع عن إعطائهم الصفوف الأولى. وهذه المفارقة ليست قدرًا محتومًا، وإنما خطأ سياسي وإداري يمكن إصلاحه.
وفي الجنوب، تصبح المفارقة أكثر قسوة؛ لأن شابًا قد يكون مستعدًا لأن يدافع عن أرضه، وأن يعمل في أصعب الظروف، وأن يعيش سنوات من الحرمان، وأن يتحمل البطالة وتدهور الخدمات وضيق الفرص، لكنه عندما يبحث عن موقع في مؤسسة أو إدارة أو هيئة، قد يجد أمامه جدارًا من الأسماء القديمة. وكأن الرسالة له تقول: نريد تضحياتك، لكننا لسنا مستعدين بعد لأن نمنحك الثقة.
لا، هذا لا يبني وطنًا.
الجنوب الذي يريد مستقبلًا مختلفًا لا يمكن أن يبني هذا المستقبل بعقلية الماضي نفسها. وإذا كان الهدف هو بناء مؤسسات حديثة، فإن أول اختبار للحداثة هو قدرة المؤسسة على أن تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بغض النظر عن عمره، وأن تمنح صاحب الكفاءة فرصة حقيقية لإثبات نفسه.
نحن بحاجة إلى أن نكسر ثقافة “اتركه يكبر أولًا”. كم من شاب سيظل ينتظر أن يكبر حتى يصبح مؤهلًا، بينما الكرسي الذي كان يمكن أن يتعلم من خلاله ويخدم من خلاله ويطور نفسه فيه، يظل محجوزًا لعقود؟ الخبرة لا تأتي من الانتظار فقط؛ الخبرة تُصنع من المسؤولية. ولا يمكن أن نطلب من الشباب أن يصبحوا قيادات من دون أن نمنحهم فرصًا حقيقية ليتعلموا القيادة.
ومن الخطأ أيضًا أن نبحث عن الشباب فقط عندما نريد وجوهًا جديدة للصور والفعاليات. الشاب ليس ديكورًا. والشابة الجنوبية ليست رقمًا لاستكمال مشهد شكلي. والشباب ليسوا جمهورًا للتصفيق. الشباب شركاء في القرار، وإذا كان لهم حق تحمل تبعات القرار، فمن الطبيعي أن يكون لهم حق المشاركة في صناعته.
لقد آن الأوان لأن تتغير فلسفة التعامل مع الكفاءة في الجنوب. ليس المطلوب أن يحصل كل شاب على منصب لمجرد أنه شاب، فهذا سيكون ظلمًا آخر للشباب أنفسهم. المطلوب هو أن تكون هناك منافسة عادلة، ومعايير واضحة، واختيار قائم على المؤهل والخبرة والقدرة والنزاهة والإنجاز، وأن تكون الأبواب مفتوحة أمام الشباب القادرين على إثبات أنفسهم.
الشاب الكفؤ لا يريد هدية من أحد. يريد فرصة.
لا يريد أن يأخذ مكان شخص يستحقه. يريد أن يعرف أن الطريق مفتوح أمامه إذا استحقه.
لا يريد أن يُقصي جيلًا. يريد أن يعمل مع جيل سبقَه، وأن يتعلم منه، ثم يضيف إليه.
والكبير الذي يملك الخبرة ليس خصمًا للشاب، بل يمكن أن يكون معلمه ومرشده وشريكه. لكن الخبرة التي لا تفسح المجال لتوريث المعرفة تتحول مع الزمن إلى احتكار. والمجتمع الذي لا يدرّب بدلاءه ولا يفتح المجال أمام الجيل الجديد يكتشف في لحظة ما أنه يملك أشخاصًا كثيرين في المناصب، لكنه لا يملك صفًا ثانيًا قادرًا على حمل المسؤولية.
وهذه أخطر مشكلة يمكن أن تواجه أي مشروع سياسي أو وطني.
فالمشروع الذي يعتمد على شخص واحد يموت إذا غاب الشخص، والمشروع الذي يعتمد على مجموعة محدودة من الأسماء يتعطل إذا اختلفت أو رحلت، أما المشروع الذي يبني المؤسسات ويصنع جيلًا بعد جيل من القيادات، فهو الذي يستطيع أن يعيش ويتطور.
ومن هنا، فإن يوم الشباب العالمي يجب ألا يكون مناسبة لتوزيع التهاني فقط، ولا مناسبة لإطلاق عبارات محفوظة من نوع “الشباب هم عماد المستقبل”. لقد سئم الشباب من سماع أنهم عماد المستقبل بينما يُمنعون من المشاركة في الحاضر. المستقبل الذي يُقال للشباب عنه كل يوم لم يعد مقنعًا إذا كان حاضرهم مغلقًا.
قولوا للشاب الجنوبي: أنت عماد المستقبل، ثم أعطوه فرصة اليوم.
قولوا له: أنت شريك، ثم أشركوه في القرار.
قولوا له: نحن نثق بك، ثم امنحوه مسؤولية حقيقية.
قولوا له: أنت صاحب كفاءة، ثم اجعلوا الكفاءة معيارًا للتعيين والترقية.
أما أن نقول للشباب إنهم مستقبل الجنوب، ثم نضع مستقبل الجنوب كله في أيدي الجيل القديم وحده، فهذه ليست سياسة، وإنما تناقض.
والجنوب لا يحتمل مزيدًا من التناقضات.
الجنوب بحاجة إلى عقل شاب يفهم التكنولوجيا والاقتصاد الحديث، وإلى مهندس شاب يعرف كيف تُبنى المدن، وإلى طبيب شاب يعرف كيف تُدار المنظومة الصحية، وإلى اقتصادي شاب يفهم الأسواق والطاقة والموانئ، وإلى قانوني شاب يعرف معنى الدولة والمؤسسات، وإلى إعلامي شاب يعرف كيف يخاطب العالم بلغة العصر، وإلى دبلوماسي شاب يستطيع أن يقدم القضية الجنوبية بصورة مهنية، وإلى إداري شاب يعرف أن الوظيفة العامة خدمة وليست غنيمة.
هذه الكفاءات موجودة.
المشكلة ليست في عدم وجودها، بل في عدم البحث عنها بما يكفي، وعدم فتح الطريق أمامها بما يكفي، وعدم إعطائها الثقة بما يكفي.
كم من شاب جنوبي يعيش اليوم خارج وطنه، يحمل شهادة وخبرة وتجربة دولية، ويعمل في مؤسسة أو شركة أو جامعة أو منظمة في بلد آخر، بينما وطنه لا يجد له مكانًا؟ كم من شاب يتحدث لغتين أو ثلاثًا، ويملك خبرة في الإدارة والاقتصاد والتقنية والإعلام، لكنه لا يجد سوى الانتظار؟ وكم من شاب لديه مشروع صغير أو مبادرة اجتماعية أو فكرة اقتصادية، لكنه يصطدم بجدار البيروقراطية وقلة الفرص؟
هذه الطاقات إذا لم يجد الجنوب طريقًا لاستعادتها، فسيخسرها. والهجرة ليست دائمًا خروجًا للأجساد فقط؛ أحيانًا تكون هجرة للعقول.
ولا يوجد وطن يستطيع أن يتحمل نزيف العقول إلى ما لا نهاية.
يا من بيدكم القرار في الجنوب، هذه ليست معركة على الكراسي، بل معركة على المستقبل. الكرسي الذي تمنحه اليوم لشاب كفؤ ليس خسارة لك، بل استثمار في المؤسسة. والخبير الذي تدخله إلى موقع القرار لا ينتزع منك تاريخك، بل يساعد على حماية ذلك التاريخ من أن يتحول إلى ماضٍ فقط. والقيادي الذي يفسح المجال أمام جيل جديد لا يفقد قيمته، بل يثبت أنه كان قادرًا على صناعة الرجال والنساء من بعده.
القائد الحقيقي ليس من يبقى في المقدمة إلى الأبد، وإنما من يستطيع أن يصنع من بعده من يكمل الطريق.
والتاريخ لا يرحم المجتمعات التي تتشبث بالكراسي أكثر من تشبثها بالمستقبل.
في يوم الشباب العالمي، لا نريد أن نقول للشباب الجنوبي: اصبروا.
لقد صبروا كثيرًا.
ولا نريد أن نقول لهم: انتظروا دوركم.
لقد انتظروا طويلًا.
ولا نريد أن نقول لهم: أنتم مستقبلنا.
نريد أن نقول: أنتم حاضرنا أيضًا.
نريد أن نرى الشباب في مجالس الإدارة، وفي الوزارات، وفي المؤسسات، وفي الجامعات، وفي السفارات، وفي مواقع التخطيط وصناعة القرار، وفي الإعلام، وفي الاقتصاد، وفي كل مكان يحتاج إلى عقل جديد وطاقة جديدة. نريد أن يكون الوصول إلى الموقع قائمًا على الاستحقاق لا على العمر، وعلى الكفاءة لا على العلاقات، وعلى الإنجاز لا على الولاء الشخصي.
وليس المطلوب أن نُسقط جيلًا لكي نصعد جيلًا آخر. المطلوب أن نبني جسرًا بين الأجيال.
الكبير يعطي خبرته، والشاب يعطي طاقته.
الكبير يقدم دروس الماضي، والشاب يقرأ متغيرات المستقبل.
الكبير يحفظ الذاكرة، والشاب يفتح الأفق.
وحين تجتمع الخبرة مع الكفاءة، لا يخسر أحد.
لكن حين يحتكر جيل واحد كل المواقع، بينما يُطلب من الجيل الآخر أن ينتظر، فإن الخاسر في النهاية هو الوطن.
لقد أثبت شباب الجنوب أنهم ليسوا جيلًا هامشيًّا. أثبتوا ذلك في الشوارع، وفي الجامعات، وفي ساحات الاحتجاج، وفي ميادين العمل، وفي الإعلام، وفي المقاومة، وفي المبادرات المجتمعية، وفي تحمل الأزمات. ومن حق هذا الجيل أن ينتقل من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة صناعة القرار.
فالذي كان قادرًا على الوقوف في الصفوف الأولى في أصعب الأيام، لا ينبغي أن يُقال له في أيام البناء: قف في الصف الأخير.
والذي حمل على كتفه هموم وطنه وهو شاب، يستحق أن يُنظر إليه اليوم باعتباره مشروع قائد، لا مجرد رقم في قوائم الحشد.
إن الوفاء للشباب ليس خطابًا عاطفيًّا، وإنما عدالة في الفرص.
والوفاء للشهداء ليس أن نذكر أسماءهم في المناسبات فقط، وإنما أن نبني وطنًا يستفيد من تضحيات الجيل الذي قدم حياته.
والوفاء للجنوب ليس أن نكرر شعاراته، وإنما أن نبني مؤسسات تستطيع أن تحمل مشروعه إلى المستقبل.
وهنا تحديدًا تقع مسؤولية القيادات الجنوبية: أن تثبت أن القضية الجنوبية ليست قضية استبدال أسماء بأسماء، ولا استبدال وجوه بوجوه، ولا انتقال كراسٍ من جيل إلى جيل بالطريقة نفسها، وإنما قضية بناء مجتمع يستطيع أن يمنح كل جيل حقه، وأن يجعل الإنسان المناسب في المكان المناسب.
إذا كان الجنوب يريد دولة حديثة، فليبدأ من الإنسان.
وإذا كان يريد مؤسسات قوية، فليبدأ من الكفاءة.
وإذا كان يريد مستقبلًا مختلفًا، فليتوقف عن إغلاق أبواب المستقبل أمام شبابه.
لقد حان الوقت لكي يكون للشباب نصيب حقيقي من صناعة القرار، لا نصيبًا من الخطابات فقط.
وحان الوقت لكي يصبح يوم الثاني عشر من أغسطس موعدًا لمراجعة حقيقية، لا مناسبة احتفالية عابرة.
وحان الوقت لكي يسأل كل مسؤول نفسه سؤالًا بسيطًا، لكنه ثقيل: كم شابًا كفؤًا أعطيته فرصة حقيقية؟
وكم شابة كفؤة فتحت لها بابًا؟
وكم موهبة أنقذتها من الهجرة؟
وكم قياديًّا شابًا صنعت؟
وكم مؤسسة أعددت فيها صفًا ثانيًا وثالثًا قادرًا على حمل المسؤولية؟
هذه الأسئلة أهم من كل الشعارات.
لأن الجنوب الذي يريد أن يكون قويًّا لا يستطيع أن يخاف من شبابه.
والقيادة التي تثق بمشروعها لا تخاف من ظهور جيل جديد.
والمؤسسة الواثقة لا تخشى صاحب الكفاءة.
والكرسي الذي يستمد شرعيته من العمل والإنجاز لا يخاف من شاب يمتلك علمًا وطموحًا.
أما الكراسي التي تخاف من الشباب، فالمشكلة ليست في الشباب.
المشكلة في الكراسي.
وفي هذا اليوم العالمي للشباب، نقولها بوضوح: لا تجعلوا شباب الجنوب وقودًا عند الحاجة، ثم اجعلوهم وقودًا للانتظار عندما تنتهي الحاجة إليهم. لا تستدعوا أبناء الجيل الجديد إلى الصفوف الأمامية عندما تكون هناك تضحية، ثم أرسلوهم إلى الصفوف الخلفية عندما تبدأ مرحلة البناء. لا تجعلوا شعار “الشباب هم المستقبل” ستارًا لتأجيل حقهم في الحاضر.
الجنوب ليس فقيرًا بالشباب، الجنوب غنيٌّ بهم.
ليس فقيرًا بالعقول، وإنما يحتاج إلى نظام يكتشفها.
ليس فقيرًا بالكفاءات، وإنما يحتاج إلى من يفتح لها الأبواب.
وليس فقيرًا بالطموح، وإنما يحتاج إلى قرار يحول الطموح إلى عمل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجنوب ليس أن يختلف شبابه، وإنما أن يفقد شبابه الأمل.
لأن الشاب الذي يفقد الأمل لا يبحث عن وطنه فقط، بل يبحث عن مكان آخر يشعر فيه أن علمه له قيمة، وأن جهده له معنى، وأن مستقبله ليس مرهونًا بعمر الجالس على الكرسي.
أما الجنوب الذي يعطي شبابه الأمل، ويمنحهم الفرصة، ويضع الكفاءة فوق المحسوبية، ويصنع من خبرة الكبار مدرسةً لجيل جديد، فإنه لا يبني جيلًا واحدًا، بل يبني مستقبلًا كاملًا.
وفي الثاني عشر من أغسطس، يوم الشباب العالمي، ربما لا نحتاج إلى مزيد من التصفيق للشباب.
نحتاج إلى أن نفتح لهم الأبواب.
لا نحتاج إلى مزيد من الخطب عن المستقبل.
نحتاج إلى أن نعطيهم موقعًا في الحاضر.
لا نحتاج إلى أن نقول لهم: أنتم عماد الجنوب.
نحتاج أن نثبت لهم بالفعل أنهم شركاء في بناء الجنوب.
فالجنوب الذي صنع شبابه جزءًا من تاريخه، قادر على أن يجعلهم جزءًا من صناعة مستقبله.
ومن يملك شجاعة التضحية بالشباب من أجل الوطن، يجب أن يملك شجاعة الثقة بهم من أجل الوطن نفسه.
هذا هو الوفاء الحقيقي.
وهذه هي الرسالة الحقيقية ليوم الشباب.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي قيادة تريد أن تكتب اسمها في مستقبل الجنوب، لا في سجل ماضيه فقط.