اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

ليلة الرياض الباردة.. كيف طوّع الأب والابن العرش لإزاحة ظلال الحكم؟

النقابي الجنوبي/خاص

في تحقيق استقصائي بثّته قناة “يقظة” ضمن برنامج “فسادستان”، كشف الملازم السعودي سالم القحطاني، وهو ضابط أمني، حقيقة صادمة هزّت قراءة المشهد السياسي برمته: ما جرى في الرياض لم يكن مغامرة فردية من ولي عهد طموح، بل كان مشروعاً عائلياً منسّقاً بين الأب والابن، بموافقة ورضا تام من الملك سلمان نفسه. الهدف الاستراتيجي المعلن في الغرف المغلقة كان واضحاً وجلياً: إزاحة الأعمام وأبناء الأعمام عن أي موقع نفوذ، وتجفيف منابع الشراكة داخل العائلة المالكة، وتكريس الحكم حصراً في “ذريّة الملك سلمان” وحده، وتحويل الملكية السعودية من نظام توافقي قائم على الإجماع العائلي لأسرة عبدالعزيز إلى إقطاعية أسرية ضيقة لا تتسع لأي أحد خارج النسل المباشر.

عام ٢٠١٢.. البذرة الميكافيلية بغطاء أبوّي صامت

في أمسية هادئة من ربيع ذلك العام، جلس الدكتور سلمان العودة، الصوت الديني الأكثر حضوراً في الشارع السعودي، إلى أميرٍ شاب مغمور يدعى محمد بن سلمان. دار الحديث عن القيادة والسياسة، لكن الأمير الشاب أجهض أي انطباع عن التواضع أو الحكمة حين نطق بعبارة اعتبرها الحاضرون آنذاك مجرد تملّق فكري: “أنا قدوتي ميكافيلي”. لم تكن تلك الكلمة استطراداً عابراً، بل إعلان نوايا لدولة جديدة تقوم على فصل الأخلاق عن الحكم، والقسوة كأداة، والمكر كمنهج. وما كان الشيخ العودة يدري أن تلك الجلسة ليست مجرد لقاء عابر، بل كانت تمهيداً لعهدٍ جديد يُراد له أن يطيح بأعراف “آل سعود” التاريخية بتواطؤ من أكبر رمز فيها: الملك سلمان نفسه، الذي نظر بعين الرضا إلى ابنه وهو يضع خطة لاقتلاع إخوته وأبناء إخوته من جذور السلطة.

ليلة الرياض الباردة.. تصفية حارس الداخلية بأمر ملكي

مرّت السنوات، وصعد محمد بن سلمان كولي للعهد، لكن أوّل محطة فارقة في مسلسل التصفية كانت في ليلةٍ حبست الرياض أنفاسها، حين أُطيح بالأمير محمد بن نايف، ولي العهد السابق، الذي كان يُعدّ العمود الفقري للأمن الداخلي والذراع الاستخباراتية السعودية في الغرب. هنا، لم يكن بن سلمان يتصرف من فراغ، بل بأمر ملكي مباشر من والده، الذي أفتى بإزاحة أقوى حلفاء أميركا في العائلة لصالح نجله. في مشهد مهين وغير مسبوق داخل أروقة آل سعود، جرى تجريد بن نايف من مناصبه تحت تهديدات صريحة طالت عائلته وصحته، ليُجبر على مبايعة خصمه أمام الكاميرات في صورة إذلال علني، قبل أن يُزجّ به في حبس منزلي وتُطلق ضده حملات تشويه إلكترونية منظمة، كأول رسالة بأن “بيت سلمان” لا يريد أي شريك في الحكم، حتى لو كان ذلك الشريك هو حارس أمن المملكة الأكثر خبرة.

حملة “الريدز كارلتون”.. اقتلاع أبناء الملك الراحل بغطاء ملكي

لم يكتفِ الثنائي الحاكم بجناح بن نايف، بل حوّلا البوصلة نحو جناح الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. أشهر قليلة فقط فصلت بين ليلة بن نايف واحتجاز العشرات من الأمراء والوزراء في فندق “الريدز كارلتون” تحت شعار مكافحة الفساد، لكن الحقيقة التي كشفها الملازم القحطاني أن الشعار كان مجرد غطاء لتنفيذ إرادة الملك سلمان في اقتلاع أي وجود لبيت عبد الله من مفاصل الدولة. كان الأمير متعب بن عبد الله، قائد الحرس الوطني، أوّل الضحايا، إذ جرى عزله واحتجازه واستنزاف ملياراته في صفقة إذلال مقابل خروجه الصوري. لكن المشهد الأكثر بشاعة كان في الزنزانة المجاورة، حيث أُخفي أخوه، الأمير تركي بن عبد الله، قائد الرياض العسكري السابق، ونُكّل به عبر تعذيب مدير مكتبه، اللواء علي القحطاني، بالصدمات الكهربائية حتى الموت، بحسب ما أوضحه الملازم سالم القحطاني في شهادته، في سابقة دموية هي الأولى من نوعها بحق ضابط رفيع من العائلة المالكة، تُظهر أن الأب والابن على قلب رجل واحد في إقصاء فروع العائلة التي لا تنتمي إلى نسلهما.

تكميم الأفواه.. اعتقال شقيق الملك بأمر من شقيقه الملك

إذا كانت التصفيات السابقة استهدفت الأبناء (أبناء الأعمام)، فإن المشهد التالي كشف عن وحشية المشروع حين تعدّى إلى الأعمام أنفسهم. فبعد ظهور الأمير أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان، في مقطع فيديو من لندن يحمّل فيه القيادة الحالية مسؤولية كارثة حرب اليمن، جاء الرد سريعاً باعتقاله وإسكاته. وهنا يبرز السؤال الذي يحرق الأفئدة: كيف يُعتقل شقيق الملك في عهد أخيه الملك؟ الإجابة التي يقدّمها التحقيق الاستقصائي أن الملك سلمان كان شريكاً صامتاً وراعياً لهذا الاعتقال، لأنه ببساطة يريد تنظيف البيت من أي صوت منافس، حتى لو كان ذلك الصوت صادراً عن دمه ونسله. ولم يتوقف الزحف عند المتنفذين، بل اجتاح الرموز الهادئة، كالأمير سلمان بن عبد العزيز المعروف بـ”غزلان”، الذي زُفّ إلى السجن لمجرد لقائه بمسؤولين أمريكيين في لقاء ثقافي عابر، ليصبح اللقاء تهمة والاعتقال عقوبة، في رسالة بأن لا مكان لأي ظل سياسي خارج “بيت سلمان”.

كسر الحرمة العرفية.. انتهاك النساء بأمر من فوق القصر

الفخاخ الأوروبية.. الإرادة الملكية تطارد الأمراء في الخارج

لم تعد حدود المملكة عائقاً أمام آلة التصفية التي يحرّكها الأب والابن معاً. حوّلت أجهزة الدولة، بتوجيهات عليا، عواصم أوروبا إلى ساحات صيد. استُدرج الأمير سعود سيف النصر والأمير سلطان بن تركي عبر طائرات خاصة، وُعدوا فيها بلقاءات عائلية حميمة أو صفقات تجارية واعدة، لكنهم فوجئوا بهبوط الطائرات في مطار الرياض، لتفتح أبواب السجون فوراً لالتهامهم، في مشهد استخباراتي مريب يكشف تحوّل المؤسسات الأمنية إلى أداة شخصية لتصفية الحسابات خارج نطاق القضاء والدستور، بأمر من أعلى هرم السلطة.

الجمر تحت الرماد

اليوم، وبعد أن أنهك الحاكم الأسرة المالكة برمتها، وأزاح الأعمام وأبناء الأعمام واحداً تلو الآخر، تقف الرياض على جمرة تغلي تحت الرماد. جُرّعت العائلة المالكة الإهانة، وسُحقت الأعراف التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها، وأُنهك المجتمع بالمراقبة، وأُقصيت المؤسسة الدينية. لكن السؤال الذي يضغط على صدر المراقبين والمقربين، والذي طرحه الملازم القحطاني في برنامج “فسادستان”، يلوح كالسيف المسلّط على رقاب القصر: إلى متى يظل عرش يقوم على تصفية الدماء التي يفترض أنها صانته؟

وإذا كان الأب قد بارك أكل ابنه لأعمامه وأبناء أعمامه، فمن يضمن للابن ألا يأكل أشقاءه الآخرين، أو حتى ظلال والده حين يصبحون عائقاً؟ فالتاريخ يعيد نفسه، وجثث العروش التي تُبنى على الأعراف المكسورة، لا تلبث أن تنهار على من شيّدها

زر الذهاب إلى الأعلى