اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#فاطمة_اليزيدي : حين يُحاصَر الجنوب بالخدمات… لا تنسوا أن وراء العتمة قضية

#فاطمة_اليزيدي

ليس من السهل أن تكتب عن الجنوب اليوم دون أن تشعر بأن الكلمات نفسها أصبحت مثقلة بسنوات طويلة من الألم. فكلما حاول هذا الشعب أن يلتقط أنفاسه بعد حرب، وجد نفسه أمام أزمة، وكلما تجاوز أزمة وجد أخرى تنتظره، حتى أصبح المواطن الجنوبي يعيش في دوامة لا تنتهي من انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وأزمات الغاز، وغلاء المعيشة، وتدهور الخدمات، بينما تتسع دائرة الاحتقان في مجتمع أنهكته الحروب وأثقلته التضحيات.

والأشد قسوة أن كل ذلك يحدث في الجنوب، لا في أرض خالية من الموارد والإمكانات، وإنما في أرض النفط والغاز، وفي أرض الموانئ والثروة البحرية والموقع الاستراتيجي، وفي أرض كان يمكن أن تكون واحدة من أكثر مناطق المنطقة قدرة على النهوض لو أُديرت مواردها بإرادة وطنية حقيقية، ولو جرى التعامل مع الإنسان الجنوبي باعتباره صاحب حق لا مجرد رقم في طوابير الأزمات.

لهذا فإن السؤال لم يعد: لماذا تنقطع الكهرباء؟ أو أين اختفى الغاز؟ أو لماذا تنقطع المياه؟ هذه الأسئلة، رغم أهميتها، أصبحت جزءًا من سؤال أكبر بكثير: لماذا يُترك الجنوب أصلًا ليعيش كل هذا الاستنزاف؟

فالمواطن الذي يخرج في الصباح باحثًا عن أسطوانة غاز، ثم يعود إلى منزله ليواجه ساعات طويلة من الظلام، ثم يبحث عن الماء، ثم يصطدم بغلاء الأسعار وتراجع قيمة ما في جيبه، ليس مواطنًا يعيش أزمة عابرة، وإنما إنسان يُستنزف يومًا بعد يوم. وعندما تتكرر هذه الحالة لشهور وسنوات، فإن الأمر يتجاوز حدود الفشل الخدمي إلى إنتاج واقع اجتماعي شديد القسوة، يجعل المواطن منشغلًا بتدبير يومه أكثر من انشغاله بما ينتظره في الغد.

وهنا تحديدًا يجب ألا نغفل عن الصورة الأكبر.

فالجنوب لم يصل إلى هذه المرحلة من المعاناة دون تاريخ. هذا شعب عاش الحروب، وقدم الشهداء، وتحملت مدنه وقراه آثار صراعات متتالية، ودفع أبناؤه من أعمارهم ودمائهم الكثير. ولم تكن تلك التضحيات بحثًا عن ظلام دائم، ولا عن مياه شحيحة، ولا عن أزمات غاز، ولا عن حياة يطارد فيها المواطن أبسط حقوقه.

لقد ضحى أبناء الجنوب لأنهم أرادوا واقعًا مختلفًا، ومستقبلًا مختلفًا، وحياة تحفظ للإنسان كرامته، وتمنح المجتمع حقه في تقرير مستقبله بعيدًا عن الوصاية والتبعية والاستنزاف.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن تنجح الأزمات في سرقة القضية من الذاكرة الشعبية، لا بمعنى أن الناس نسوها، وإنما بأن تصبح تفاصيل الحياة اليومية أقسى من أن تترك لهم فرصة للتفكير فيما هو أبعد من الكهرباء والماء والغاز والراتب.

وهذه نقطة يجب التوقف عندها طويلًا.

ليس المطلوب من المواطن أن يصمت عن الخدمات حتى لا يُقال إنه ابتعد عن قضيته، وليس المطلوب منه أن يختار بين لقمة العيش والكرامة السياسية. على العكس تمامًا؛ من حق الجنوبي أن يطالب بحياة كريمة، ومن حقه أن يسأل عن ثروات أرضه، ومن حقه أن يعرف لماذا لا تنعكس موارد الجنوب على حياة أبنائه، ومن حقه في الوقت نفسه أن يتمسك بقضيته وتطلعاته السياسية.

لكن ما يجب رفضه هو أن تتحول المعاناة إلى وسيلة لإغراق الناس في تفاصيلها، بحيث يصبح المواطن طوال الوقت في حالة بحث عن خدمة مفقودة، بينما تتراجع الأسئلة الجوهرية إلى الخلف.

فالجنوب لا يريد كهرباء بدل قضيته، ولا ماء بدل حقوقه، ولا غازًا مقابل التنازل عن مستقبله. الجنوبي يريد كل ذلك معًا؛ يريد أن يعيش، ويريد أن يحفظ كرامته، ويريد أن تكون ثروات أرضه مصدر قوة وتنمية، ويريد أن يعرف إلى أين يتجه وطنه.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن يكون واضحًا.

لأن الحديث عن الخدمات لا يمكن فصله عن الحديث عن إدارة الموارد، ولا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، ولا يمكن فصل معاناة المواطن عن طبيعة المرحلة التي يعيشها الجنوب. وحين يكون هناك نفط وغاز وموانئ وثروة بحرية وموقع جغرافي مهم، ثم يبقى المواطن غارقًا في أزمات الكهرباء والمياه والغاز، فمن الطبيعي أن تتراكم الأسئلة، وأن يصبح الصمت أصعب من السابق.

الجنوب لا يحتاج إلى المزيد من الوعود، بقدر ما يحتاج إلى رؤية حقيقية تخرجه من حالة الاستنزاف. يحتاج إلى إدارة مختلفة، وإلى تنمية حقيقية، وإلى مؤسسات تستطيع أن تحول الموارد إلى خدمات وفرص عمل واستقرار، بدل أن يبقى المواطن أسيرًا لأزمة اليوم وهو لا يعرف ماذا ينتظره غدًا.

فقد تعب الجنوب من أن يكون ساحة للحروب، وتعب من أن تكون أزماته أكبر من قدرته على الاحتمال، وتعب من أن يعيش أبناؤه على هامش ثروات أرضهم. وتعب أكثر من تلك المعادلة التي تجعله في كل مرة مطالبًا بالصبر، وكأن الصبر أصبح الحل الوحيد لكل شيء.

لا، الجنوب ليس مطالبًا بأن يعتاد الحرمان.

وليس مطلوبًا من شعب قدم كل هذه التضحيات أن يعتبر الظلام قدرًا، أو العطش قدرًا، أو الفقر قدرًا، أو انهيار الخدمات قدرًا لا يمكن تغييره.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد الناس على الواقع السيئ، وأن يصبح ما كان بالأمس أزمة طارئة هو اليوم أمرًا طبيعيًا، وأن تتراجع أحلام المجتمع من بناء مستقبل أفضل إلى مجرد الحصول على ساعات إضافية من الكهرباء.

وهنا يجب أن تبقى الذاكرة الجنوبية يقظة.

فالقضية التي قدم من أجلها الشهداء لا ينبغي أن تضيع وسط تفاصيل الأزمات، كما أن معالجة الأزمات لا ينبغي أن تكون ذريعة لتأجيل القضية إلى ما لا نهاية. الجنوب بحاجة إلى الاثنين معًا: حياة كريمة تحفظ الإنسان، ومستقبل سياسي يحفظ إرادته.

وإذا كان هناك من يعتقد أن إنهاك الناس بالخدمات سيجعلهم يتخلون عن تطلعاتهم، فعليه أن يعيد قراءة تاريخ الجنوب جيدًا. الشعوب قد تتعب، وقد تغضب، وقد تنشغل بلقمة عيشها، لكنها لا تنسى بسهولة ذاكرة طويلة من التضحيات والحقوق.

لقد دفع الجنوب من دم أبنائه الكثير، ولذلك فإن أقل ما يستحقه اليوم هو أن يعيش بكرامة فوق أرضه، وأن يرى أثر ثرواتها في حياته، وأن يحصل على كهرباء ومياه وغاز وخدمات واقتصاد وفرص عمل، وأن يشعر أن المستقبل ليس مجهولًا، وأن سنوات المعاناة لم تكن مجرد طريق إلى معاناة جديدة.

الجنوب لا يستحق أن يُترك بين نار الحرب ونار الحاجة، ولا يستحق أن تتحول ثرواته إلى مجرد حديث، ولا أن تتحول خدماته إلى أزمة دائمة، ولا أن يصبح انشغال المواطن بلقمة عيشه وسيلة لإبعاده عن قضيته.

لقد آن الوقت لأن يُفهم الجنوب كما هو: شعب يريد الحياة، لكنه لا يريد حياة بلا كرامة؛ يريد الخدمات، لكنه لا يريدها ثمنًا لحقوقه؛ يريد الاستقرار، لكنه لا يريد أن يكون الاستقرار عودة إلى التبعية.

والجنوب الذي خرج من الحروب وهو يحمل ذاكرة الشهداء، لن يكون من العدل أن يُطلب منه اليوم أن ينسى كل شيء لأنه يبحث عن الكهرباء والماء والغاز.

دعوا الجنوب يعيش… ولا تجعلوا حاجته إلى الحياة معركةً ضد حقه في المستقبل. فالجنوب يستحق أن تُفتح أمامه أبواب التنمية، لا أن تُغلق عليه أبواب الأمل، ويستحق أن يرى ثرواته في بيوت أبنائه، وأن يرى تضحيات شهدائه تتحول إلى مستقبل أفضل، لا إلى أزمات جديدة.

فالجنوب لم يضحِّ بكل هذا من أجل أن يبقى حيًا فقط… بل ضحّى من أجل أن يعيش عزيزًا

زر الذهاب إلى الأعلى