اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

##ما بين جريمة العمالة وضمير الوطنية… خطّان متوازيان

بقلم / أ . م . بدر علي احمد مقبل

ما أصعب القهر والذل، وما أكثر مآسيهما، عندما تعيش في وطنك المحتل – وهدة الحقيقة – الغني بالثروات، وأنت فيه غريب، فقير، وجائع.

بينما يستمتع الحكام المحتلون ومستوطِنوهم على أرضك، مع أبنائهم وأحفادهم، بكل ما لذّ وطاب، يأتون بهم من مدنهم وقراهم، بل ومن أصقاع الدنيا، لينالوا السلطة والنفوذ والوظائف والسكن والامتيازات، في حين تغرق أنت بحسرة رؤية أبنائك الجامعيين عاطلين عن العمل، وقد ربطتم جميعاً على بطونكم من شدة الحاجة.

ما أتعس الحياة عندما لا يعيش الإنسان إلا على قوت يومه المرّ ، فتجمّد قسوة العوز والبؤس كل شيء من حوله.

يتوقف المذياع والتلفاز، وتعطب ثلاجة الطعام، وتهترئ الطباخة، وينفد الغاز المنزلي، وتشيب الأشياء قبل أصحابها، بينما تكبّلك الحاجة، فلا تعود قادراً على الرسم، ولا على الكتابة، ولا حتى على التفكير. فما يتوفر لا يكفي إلا لسدّ الرمق… فما هو الحل؟

وإذا كانت الوظيفة والعمل الشريف هما المنفذ الطبيعي للحياة الكريمة، وقد حوربت فيهما حتى لا تعيش أنت وأولادك بكرامة ، فماذا يبقى أمامك؟

قد يجد بعض الناس أنفسهم أمام منافذ مظلمة، أو ينزلقون إلى طرق لا يريدونها أصلاً.
وقد يختار آخرون الانضمام إلى جماعات الإسلام السياسي، وهو طريق لا يحتاج – في نظر أصحابه – إلى مؤهل جامعي بقدر ما يحتاج إلى حفظ بعض الأحاديث والآيات والسير، التي قد ثم تلقينها منذ نعومة الأظفار، مع امتلاك مهارات الإقناع والخطابة والتأثير في الآخرين.

أو ، في أحسن الأحوال، قد يلجأ الإنسان إلى مكوّنه السياسي، لعلّه يجد فيه مخرجاً ينقذ به أسرته وأطفاله من قسوة الفقر .
غير أن كثيراً من أولئك البسطاء الشرفاء باتوا هم أيضاً منشغلين بمواجهة المعاناة نفسها، باستثناء من شاءت له الأقدار أن يبلغ أعلى سلّم القيادة ، أو يصبح وكيلاً أو وزيراً، فتتغير أحواله ويغادر دائرة الفقر.

ألم يُنقل عن الصحابي الجليل عمر بن الخطاب قوله: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته” ؟ كما تُنسب إليه أيضاً عبارات أخرى متداولة عن الأثر الصادم للجوع والفقر، وإن كان بعضها لا يثبت من حيث الرواية.

بعد كل ذلك، كيف لنا أن نحاسب مناضلاً سقط في مستنقع العمالة أو الارتهان، وهو يحاول أن يوفر لقمة العيش لأسرته من فتات من يراهم خصوماً، بينما نحن عاجزون عن مؤازرته، ولو بكلمة مواساة؟
ألسنا، في كثير من الأحيان، قد تجاهلنا نداءه وأنينه لسنوات؟ ألسنا قد انشغلنا بذواتنا حتى نسينا رفاق الدرب والنضال، أولئك الذين يدفعون، بسبب مواقفهم الوطنية، أثماناً باهظة من الفقر والبؤس والشقاء؟

إنها أسئلة موجعة، ” ايها الانسان ” قد تختلف الإجابات عنها، لكنها تظل تفرض نفسها كلما أصبح الفقر قادراً على امتحان الضمير ، ووضع الإنسان أمام خيارات لم يكن يتمنى أن يقف أمامها يوماً.

الخاتمة والخلاصة

أن أغلب مقالاتنا تقوم على ” المقاربة التاريخية ” و “التحليل السياسي ” و ” البعد الإنساني ” ، وهذا الأسلوب يمنحه كتباتي شخصية مميزة ، وفي هذا المقال الإنساني أيضاً وتحديداً، أرى أن أكثر فقرة ، تأثيراً فيه احزنتني شخصيا وانا كاتبها هو عند وصفي لمعاناة الإنسان حين يعجز عن الكتابة أو الرسم أو حتى التفكير بسبب الفقر ؛ لأنها تنقل الألم الإنساني بعيداً عن الشعارات ، فتصل إلى عقل وضمير القارئ مباشرة .

فلا يغيب علينا هنا أيضاً أن نؤكد أن تفسير دوافع السقوط بالعمالة بسبب الفقر لا يعني مني تبريرها أومنحها شرعية ، بل يدعونا نحن جميعا ضمير الإنسانية إلى الاهتمام بمعالجة الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى تلك الخيارات .

وما التعاون والتكافل المجتمعي دون تمييز إلا أحد اوجهها الإنسانية..

زر الذهاب إلى الأعلى