اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حين يصبح الصوت المرتفع جرحاً في قلب طفل

عبدالسلام محمد قاسم

الأم هي المدرسة الأولى، والحضن الدافئ الذي يتشكل فيه وعي الطفل وشخصيته ومشاعره. ومن بين أجمل النعم التي يمنحها الله للطفل أن ينشأ في بيت يسوده الحب والرحمة والاحتواء. لكن المؤلم أن بعض الأمهات يلجأن إلى رفع الصوت والصراخ في وجه أطفالهن ظناً منهن أن ذلك جزء من التربية الناجحة، بينما الحقيقة أن الأمر قد يترك آثاراً نفسية عميقة لا تُرى بالعين، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة الطفل سنوات طويلة.
فالطفل في عمر الزهور لا يفهم الصراخ على أنه توجيه أو تأديب، بل يراه تهديداً وخوفاً وفقداناً للأمان. وحين يتكرر رفع الصوت أمامه، يبدأ شعوره بالثقة في نفسه بالتراجع، وقد يتحول إلى طفل خائف، أو منطوٍ، أو عدواني يقلد ما يراه من سلوكيات.
إن التربية ليست قوة صوت، بل قوة تأثير. وليست كثرة أوامر، بل حسن قدوة. فالقلوب الصغيرة تُفتح بالكلمة الطيبة أكثر مما تُفتح بالصراخ والعقاب. وقد علّمنا الإسلام أعظم منهج في التعامل مع الأبناء، قائم على الرحمة والرفق واللين. قال الله تعالى: “ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”، فإذا كان اللين مطلوباً مع الكبار، فهو مع الأطفال أولى وأجدر.
ومن المؤسف أن بعض الأمهات لا يدركن أن الطفل الذي يتعرض للتعنيف اللفظي بشكل مستمر قد يكبر وهو يحمل داخله جروحاً نفسية تؤثر على شخصيته وعلاقاته ومستقبله. فالكلمة القاسية قد تُنسى عند قائلها، لكنها تبقى عالقة في وجدان الطفل زمناً طويلاً.
إلى كل أم كريمة… تذكري أن طفلك لا يحتاج إلى صوت مرتفع بقدر حاجته إلى قلب رحيم. لا يحتاج إلى التخويف بقدر حاجته إلى الفهم والاحتواء. وعندما يخطئ، فاجعلي من الخطأ فرصة للتعليم لا مناسبة للغضب.
فالأطفال أمانة بين أيدينا، وسيأتي يوم نتذكر فيه كيف كانت كلماتنا معهم. فلنزرع في قلوبهم الطمأنينة بدلاً من الخوف، والثقة بدلاً من الانكسار، والمحبة بدلاً من القسوة.
إن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الرفق والاحترام يصبح أكثر توازناً وقدرة على مواجهة الحياة، أما الطفل الذي اعتاد الصراخ والتعنيف فإنه يحمل معه آثار تلك اللحظات أينما ذهب.
فلنمنح أبناءنا ما يستحقونه من حب ورحمة، فالأمومة ليست في إنجاب الأطفال فحسب، بل في صناعة إنسان سوي النفس، قوي الأخلاق، مطمئن القلب.
رفقاً بأطفالكم… فقلوبهم الصغيرة لا تحتمل ضجيج الكبار.

زر الذهاب إلى الأعلى