الراتب…هل ذهب مع الريح ؟

ثروت جيزاني
ثلاثة أشهر مضت والراتب لم يطل على بيوت الموظفين، كأنما حمل حقائبه ورحل دون عودة. من يوليو حتى سبتمبر 2025، غاب الضيف المنتظر، وها هو أكتوبر يلوّح دون أي وعد بزيارة قريبة. صار الراتب في نظر الناس كالغائب المفقود: لا خبر عنه، ولا من يجرؤ حتى على السؤال.
قبل أشهر، رقصت الأبواق على نغمة “انتصار العملة الوطنية” بعد أن استعادت بعضًا من قيمتها. غير أن المواطن المسكين، الذي لم يدرس الاقتصاد، تساءل ببساطة: بأي معجزة حدث ذلك؟ فلا نفط غادر الموانئ، ولا غاز تدفق إلى الأسواق العالمية ، ولا حسابات لمؤسسات حكومية فُتحت للبنك المركزي، ولا حتى الأموال المنهوبة رجعت إلى الخزينة. كل ما هنالك مشهد مرتب بعناية، كفيلم هندي بطله يتحدى الرصاص ويخرج بطلقة “صفر” في جسده ويقتل مائة ويصيب مائتين . والمواطن يبتسم ويهز رأسه، وهو يعرف أن الحكاية خيالية، لكنه يتابعها وكأنها واقع.
لكن الكوميديا السوداء لم تكتمل إلا حين اكتشف الموظف أن “العملة القوية” لم تنقذه من الفقر، بل صارت قوة وهمية تقف بينه وبين مرتبه. بعض الأسعار انخفضت، صحيح، لكن اليد خاوية والجيب مثقوب. فما الفائدة من رخص الخبز إذا غاب ثمنه؟ بدا وكأن الحفاظ على قيمة العملة مشروط بقطع شريان الحياة عن موظفي الدولة. معادلة أشبه بالقول: “نموت لنحيا”!
الأغرب أن الحكومة، التي تمتلك جوقة من الإعلاميين، لم تكلّف واحدًا منهم لشرح سر اختفاء الرواتب. لم يظهر مسؤول ليقول كلمة حق أو حتى كلمة اعتذار. تركوا الشارع يموج بالشائعات، بينما هم ربما يفتشون عن تفسير في دهاليزهم ولم يجدوه.
الموظف البسيط لا يعنيه صعود العملة ولا هبوطها، ولا يهتم بالأرقام الجافة التي تزين بيانات الحكومة. ما يهمه هو أن يجد ما يسد رمق أولاده، أن يدفع إيجار منزله، أن يشتري الدواء لابنه المريض، أن يواجه الحياة بحدها الأدنى. وهذه المعركة لا تكسبها تصريحات منمقة ولا أرقام متفاخرة، بل تكسبها ورقة الراتب التي تحولت إلى سراب.
الراتب، يا سادة، ذهب مع الريح. والمفارقة المٓرة كالعلقم أن الريح وحدها هي التي عادت تطرق أبواب الموظفين اليوم، تحمل الغبار بدل النقود، وتترك خلفها سؤالًا لا يجد إجابة: فمتى يعود الغائب؟
ثروت جيزاني
4 اكتوبر2025م