اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

لماذا تصر الرياض على رهن قضية شعب الجنوب بشروط تسوية مع الحوثي واستعادة الاستقرار إلى صنعاء؟

بقلم د. أمين العلياني

ليست المشكلة في سعي الرياض إلى تسويةٍ تنهي الحرب في اليمن شمالًا وجنوبًا، فهذا حقٌّ تفرضه اعتبارات الأمن والاستقرار والمصالح المستدامة، بل في أن تتحول التسوية مع الحوثي إلى بوابةٍ لإعادة تعريف قضية شعب الجنوب وتحديد سقفها السياسي، وربط مستقبلها بمآلات الصراع في صنعاء، وكأنّ الجنوب لا يملك قضيةً وإرادةً سياسية مستقلة ولا حقًّا في تقرير مستقبله. ومن خلال قراءة أبعاد تغريدة السفير السعودي محمد سعيد آل جابر، المنشورة اليوم في العشرين من أكتوبر2026م، التي ركّزت على مسؤولية الحوثيين عن تعطيل السلام وتهديد أمن المملكة والملاحة الدولية من دون أي إشارة أو ذكر إلى قضية شعب الجنوب واستحقاق تضحيات شعبه الكبيرة. ومن هنا يأتي السؤال العميق: إذا كانت صنعاء عقدةً رئيسة في معادلة الاستقرار، فلماذا يظل مستقبل الجنوب وعدالة قضيته السياسية معلّقة على ما ستؤول إليه التسوية مع الحوثي وعودة القرار إلى صنعاء لتمنح الحق الجنوبي من بوابة المعتدي على حساب من قاومه ودفع فاتورة دماء كبيرة في إخضاعه إلى تلك التسوية التي يلمح إليها سعادة السفير وما زال يأمل في الوصول إليها وان كانت على حساب دماء شعب الجنوب؟
ومن هذا المنظور فالرياض تنظر إلى الحوثي بوصفه تهديدًا لأمنها وحدودها ومصالحها، وقد ترى في التفاهم معه ضرورةً لاحتواء التصعيد ويصبح التفاوض معه من باب الضرورة الأمنية التي لا تمنح أيَّ طرفٍ حقَّ في إعادة ترتيب مصائر قضاياه العادلة على وفق أولوياتها وحدها. فثمّة فرقٌ جوهري بين تسويةٍ تنهي الحرب وتسويةٍ تنهيها على حساب قضيةٍ شعب وطنية، وبين تفاهمٍ يضبط التهديدات العابرة للحدود وآخرَ يترك جذور الصراع الداخلي معلّقة دون حل بل يجعل من الحرب استراتيجية استنزاف لكل الأطراف ومن لم تستطع الرياض كسر الطرف حسب إدارتها للحرب عملت على ترويضه بالمال ومنحه صفة الغواية بوصفها ضرورة للتفاوض معه. ومن هنا يجب الفصل بين التفاوض مع الحوثي بشأن أمن الحدود والتهديدات العسكرية، وبين التفاوض بشأن مستقبل الجنوب وحقوق شعبه، بحيث لا يُجعل أحد الملفين ثمنًا للآخر، ولا تتحول الأولوية الأمنية إلى غطاءٍ لوصايةٍ سياسية تُعيد إنتاج التبعية بأدواتٍ جديدة.
وليس من الإنصاف أن يُطلب من شعب الجنوب انتظار تسويةٍ لا يملك مفاتيحها، أو أن يُختزل مستقبله في مفاوضاتٍ قد تتقدم فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على الحقوق السياسية العادلة؛ فقضية شعب الجنوب سياسية، تتصل بالهوية ومستقبل شكل الدولة التي يناضل من شعب الجنوب من أجلها، وليست نزاعًا إداريًّا يمكن احتوائها بتوزيع المناصب وتفريخ المكونات وفتح مجالس المحافظات التنسيقية بهدف إطالة عمر الحرب والاقتتال الهادف إلى الاستنزاف. لذلك فإنّ ربط قضية شعب الجنوب باستقرار صنعاء أو تأجيلها إلى ما بعد التفاهم مع الحوثي يجعل الاعتراف بها رهينًا بظروف التفاوض غير العادل، بدل أن تكون معالجتها العادلة جزءًا أساسيًّا من الاستقرار المستدام. ومن هنا فالواقع يقول إنّ تجميد أي نزاع في منطقةٍ حتى تُحسم معركة النفوذ في أخرى لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار ويترك أسباب النزاع كامنةً تحت سطح هدوءٍ هشّ.
وفي هذا الطرح ليس إنكارًا لمصالح المملكة أو مخاوفها الأمنية، فمن الطبيعي أن تسعى الرياض إلى حماية أراضيها وممراتها البحرية على وفق مصالحها المستدامة، لكن ليس من العدالة أن تُبنى تلك المصالح على حساب تغييب عدالة قضية شعب سياسية صارت إرادة شعبه هي أكثر القوى الفاعلة في المعركة ومن هذا المنطلق لا تحقق غياب رؤية العدل تجاه أي قضية سياسية استقرارًا أو تأجيلها على حساب أطراف قامت الحرب على إنهائها، ولا يكفي حتى هدوء الجبهات لصناعة السلام؛ فالجنوب، الذي قدّم تضحياتٍ كبيرة في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، لا يمكن التعامل معه كقوةٍ ميدانية تُستدعى عند الحاجة للقتال ثم يُحدَّد موقعها السياسي وفق مقتضيات التفاوض المشروط للطرف المتمرد؛ فالشراكة التي تعترف بالتضحيات العسكرية وتتجاهل المطالب السياسية وعدالة قضيتها ولا تنتصر لمشروعها السياسي تصبح ناقصة وغير عادلة مطلقًا، والتحالف الراعي لملف الحرب الذي لا يحترم المصالح والحقوق السياسية لشعب الجنوب وقضيته العادلة يجعلها عرضة للاهتزاز والاستهزاء معًا. وعليه، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نصل إلى تفاهمٍ مع الحوثي ثم نبحث بقية الملفات؟ بل: كيف نصنع تسويةً لا تسمح للحوثي باحتكار القرار في الشمال، والقوى اليمنية المختلفة معه ولا تجعل مستقبل الجنوب إلا رهينةً لتفاهمات الشمال كله بتياراته المختلفة وهو من يقرر عدالة قضية هذا الشعب وثمن تضحياته؟
ومن هذا المنظور لا تُحل قضية شعب الجنوب بمجرد جمع المكونات في مؤتمرٍ أو إعادة توزيع مواقع النفوذ، بل تحتاج إلى مسارٍ واضح يحدد طبيعة قضية شعب الجنوب في بعدها السياسي والطرف الممثل لها على وفق إرادة الشعب لا هي من تفرضه وتجعل الجنوب أطراف لا تمثل إرادة الشعب بل تمثل الجهة التي تمولها وتثير بينها التباين وتتحول إلى أطراف تخضع بعضها إلى النزعة الدينية الإسلامية المتشددة وبعضها إلى الليبرالية الجديدة وأخرى وفق خصوصيتها الجغرافية، كي لا يضمن أن تعبّر نتائج الحوار عن إرادة شعب الجنوب بل عن تباين تلك النخب البديلة عن إرادة الشعب، ومن هنا فالرياض لا تبحث إلا عن صيغةٍ تُفرض باسم الواقعية أو الضرورة الإقليمية. وهنا يبرز سؤال جوهري: من يملك حقّ تعريف قضية شعب الجنوب؟ أهي قضيةٌ يحدد سقفها الخارج، أم المتمرد في صنعاء أم إرادةٌ شعبية يصوغ ممثلوها والمفوضون الحقيقيون أهدافها؟ إنّ أيّ محاولةٍ لاحتكار تعريف قضية سياسية أو تحديد من يمثلها من خارج سياقها الشعبي لا تنتج سلامًا، بل تنتج وصايةً متجددة، وبهذا المعنى تصبح الواقعية السياسية للرياض لا تعني من الناحية الإدراكية إلا تجاهلًا لقضيةٍ سياسية راسخة لا يقدر أي طرف كان أن يلغيها، أو أنّ يجعل من تأجيلها هدفًا يقلل من استحقاقاتها السياسية والقتالية. وأخطر ما قد تفضي إليه التسوية التي تؤمل عليها الرياض أن يستعيد الحوثي موقعه طرفًا مقرِّرًا في مستقبل اليمن، بينما يُطلب من الجنوب انتظار الإذن منه والقوى اليمنية المختلفة معه أو منها لتقرير مستقبله؛ فهذا لا يصنع سلامًا متوازنًا، بل يعيد إنتاج اختلالات الصراع بأدواتٍ سياسية جديدة
والحقيقة التي يجب أن تقال من كل النواحي الأخلاقية والدينية والسياسية العادلة إذا أرادت الرياض تسويةً قابلة للحياة، فعليها ألّا تكتفي بانتزاع ضماناتٍ أمنية من الحوثي، بل أن تضمن ألّا تكون قضية شعب الجنوب موضوعًا للمساومة أو ملفًّا مؤجلًا إلى ما بعد استقرار صنعاء به والقوى المختلفة معه. ومن هنا فمستقبل الجنوب ليس ملحقًا بخارطة الطريق، وحقوق شعبه ليست ورقةً تفاوضية، واستقراره لا ينبغي اختزاله في وظيفةٍ أمنية؛ فالسلام الذي يُبنى في صنعاء على حساب عدالة قضية شعب الجنوب لن يكون مكتملًا، والاستقرار الذي يُطلب من الجنوب انتظاره حتى تستقر حسابات الآخرين ليس إلا تأجيلًا للأزمةواحتيالًا على إرادة شعبه الحرة، والسلام المستدام الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأنّ للجنوب قضيةً سياسية مستقلة، وأنّ معالجتها العادلة يجب أن تسير وفق إرادة الشعب وقيادته التي تختارها تلك الإرادة وبالتوازي مع أي تسويةٍ تحترم إرادة الحوثي وحقه فيمن يفويضه أو من يمثله، في التعبير عن مشروعه والقوى اليمنية المختلفة معه وتكون تلك العدالة واضحة لا تكون الرياض خلفها ولا تحت وصايتها؛ فالأمن قد يفرض التفاوض، والمصالح قد تفرض التفاهم، لكنّ العدالة وحدها تمنح التسوية شرعيتها وقدرتها على البقاء إذا احترمت إرادة الشعوب وحقها في اختيار من يمثلها من دون وصاية أو املاء عليها.
.

زر الذهاب إلى الأعلى