د.ياسر اليافعي: كيف عمّق الإعلام الإخواني الانقسام وخدم الحوثي وإيران

منذ انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، لم تكن الحرب في اليمن عسكرية فقط؛ فقد دارت بالتوازي معها حرب إعلامية وسياسية شديدة التأثير. وبرأيي، نجحت المنظومة الإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، عربيًا ودوليًا، في تحقيق مكاسب في معركة السردية والرأي العام أكبر بكثير من المكاسب التي حققتها القوى المحسوبة على الجماعة في الميدان.
ولا أتحدث هنا عن قناة بعينها، ولا عن المواقع والمنصات اليمنية التابعة لحزب الإصلاح وحده، بل عن شبكة أوسع من وسائل الإعلام والكتّاب والمنصات التي تبنت خطابًا متقاربًا تجاه اليمن والإمارات والسعودية والتحالف العربي.
ويمكن تتبع تطور هذا الخطاب عبر أربع مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: استهداف الإمارات والقوى المحلية التي دعمتها
بعد انطلاق عاصفة الحزم، تحققت في الجنوب انتصارات عسكرية سريعة، بدءًا من تحرير عدن في يوليو 2015 ثم التقدم في محافظات جنوبية أخرى. وكان للإمارات دور عسكري وأمني بارز في دعم القوات المحلية خلال هذه المرحلة.
بالتوازي مع ذلك، بدأ تصاعد خطاب إعلامي شديد العداء للإمارات وللقوى الجنوبية المتحالفة معها. وتعددت العناوين: السجون السرية، والسيطرة على الموانئ والمطارات، سرقة أشجار سقطرى، وغيرها.
بينما كان الحوثي يرسخ سلطته في صنعاء ومناطق واسعة من الشمال، تحولت الإمارات والقوات الجنوبية لدى قطاع كبير من هذه المنظومة الإعلامية إلى الخصم الأول.
وكان لذلك أثر واضح في تشكيل الرأي العام؛ فمع كثافة النشر وتكرار الرسائل عبر قنوات وصحف ومواقع وحسابات متعددة، أصبح الخلاف داخل المعسكر المناهض للحوثي نفسه يحتل مساحة إعلامية هائلة.
المرحلة الثانية: نقل المعركة من الإمارات إلى العلاقة السعودية الإماراتية
مع مرور السنوات، لم يعد الخطاب يقتصر على مهاجمة الدور الإماراتي في اليمن، بل تطور إلى تقديم أبوظبي والرياض باعتبارهما مشروعين متنافسين.
أصبحت الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن مادة يومية: النفوذ في الجنوب، الموانئ، حضرموت، سقطرى، المجلس الانتقالي، الحكومة اليمنية وغيرها.
حيث جرى تضخيم هذه التباينات وتحويلها من اختلاف داخل تحالف إلى سردية صراع وجودي بين البلدين.
وهنا حقق الخطاب الإخواني مكسبًا مهمًا؛ لأن إضعاف الثقة بين أهم دولتين في التحالف كان يعني عمليًا إضعاف الجبهة التي تأسست أساسًا لمواجهة الحوثيين.
المرحلة الثالثة: من الخلاف السياسي إلى خطاب الخيانة
لاحقًا أصبحت اللغة أكثر حدة.
لم تعد الرسالة أن الإمارات لديها مصالح مختلفة عن السعودية ، بل ظهرت سرديات تصور الإمارات باعتبارها قد خانـت السعودية، أو تعمل ضد أمنها، أو تنفذ مشروعًا إسرائيليًا في المنطقة، أو تحاصر النفوذ السعودي من اليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهنا حدث تحول خطير؛ لأن بعض هذه المضامين لم تعد محصورة داخل البيئة الإعلامية التقليدية للإخوان، بل انتقلت إلى حسابات ونشطاء ودوائر أوسع، بما فيها أصوات سعودية وخليجية.
وفي المقابل ظهرت حملات وخطابات مضادة ضد السعودية، فأصبح جزء كبير من الطاقة الإعلامية والسياسية التي كان يفترض أن تتجه إلى الحوثي وإيران يُستهلك في صراع سعودي إماراتي إعلامي مفتوح.
والنتيجة كانت لصالح ايران وأدواتها في المنطقة.
المرحلة الرابعة: مقاومة أي تقارب سعودي إماراتي
اليوم يمكن ملاحظة مرحلة رابعة: كلما ظهرت مؤشرات تهدئة أو تقارب بين الرياض وأبوظبي، سرعان ما تعود رسائل إعلامية تستحضر ملفات الخلاف القديمة وتعيد تدويرها.
في الوقت نفسه، نجد مفارقة لافتة: بعض الخطاب الذي يهاجم الإمارات بحجة الدفاع عن السعودية، ينتقل في مساحة أخرى إلى السخرية من السعودية نفسها، وتصويرها دولة عاجزة أو ضعيفة أو فاشلة في إدارة ملفاتها الإقليمية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان الهدف فعلًا حماية السعودية، فلماذا يجري بالتوازي تقويض صورتها والسخرية من قدرتها الإقليمية؟
الحصيلة بعد أكثر من عقد
نجح الإعلام المحسوب على الإخوان في تعميق الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثي، واستنزاف القوى التي تقاتله أو تسعى إلى تقليص نفوذ الجماعة في الملفات الإقليمية. والنتيجة، بغض النظر عن النوايا، كانت إضعاف جبهة خصوم الحوثي، في وقت واصل فيه الحوثيون تعزيز سلطتهم وقدراتهم، وبقيت إيران المستفيد الأبرز من تشتت خصوم حليفها في اليمن.وهنا تكمن المفارقة: القوة التي لم تحقق الحسم في الميدان استطاعت عبر الإعلام أن تجعل خصوم الحوثي ينشغلون ببعضهم بعضًا.
ولهذا فإن أخطر ما حققته المنظومة الإعلامية الإخوانية، لم يكن إقناع الجميع بمشروع الجماعة، بل إعادة ترتيب الخصوم في وعي الجمهور: حتى أصبح الإماراتي والسعودي والجنوبي واليمني المناهض للحوثي ينظر أحيانًا إلى شريكه السابق باعتباره الخطر الأول، بينما يقف الحوثي وإيران في الخلفية يراقبان تفكك الجبهة التي قامت أصلًا لمواجهتهما.
وهذا ربما كان أكبر انتصار إعلامي حققته الجماعة مقابل أكبر خدمة قُدمت للحوثي وإيران دون طلقة واحدة.