اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أين تذهب أموال الجنوب ؟ مليارات تتبخر وفساد ينهش مؤسسات الدولة.. والمواطن الجنوبي يدفع الفاتورة من قوته وخدماته!

في بلدٍ تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية، وتتسع فيه دائرة الفقر والمعاناة، وتتحول فيه أبسط متطلبات الحياة إلى أحلام مؤجلة، يبرز سؤال ثقيل يتردد على ألسنة المواطنين من عدن إلى حضرموت، ومن لحج إلى شبوة: أين تذهب أموال الشعب؟ ولماذا لا تنعكس الإيرادات العامة على حياة الناس، رغم تعدد مصادر الدخل من النفط والغاز والموانئ والضرائب والجمارك؟
إنه سؤال يتجاوز حدود الاستفسار عن الأرقام والحسابات، ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وإلى حق الناس في معرفة مصير الأموال التي تُحصّل باسمهم، وتُقتطع من قوتهم اليومي، بينما تتراجع الخدمات الأساسية وتتزايد الأعباء المعيشية بصورة تثقل كاهل الأسر، ولا سيما في المحافظات الجنوبية التي تواجه تحديات اقتصادية وخدمية متراكمة.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن تحسناً في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً؛ أسعار ترتفع، وعملة تفقد جزءاً من قيمتها الشرائية، وخدمات تتراجع، ورواتب لا تواكب تكاليف الحياة. وبين هذا وذاك، تتجدد الأسئلة حول إدارة المال العام، وشفافية المؤسسات الحكومية، ومدى التزام الجهات المسؤولة بتوجيه الإيرادات إلى الأولويات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
مليارات الإيرادات.. أين أثرها في حياة المواطنين؟
تمتلك الدولة اليمنية، بمؤسساتها المختلفة، مصادر متعددة للإيرادات، تشمل عائدات النفط والغاز، والرسوم الجمركية، والضرائب، وإيرادات الموانئ، إلى جانب موارد ورسوم حكومية أخرى. ومن المفترض أن تشكل هذه الإيرادات ركيزة أساسية لتمويل الموازنة العامة، ودفع رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
غير أن المشكلة التي يواجهها الشارع لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل الخزينة العامة، بل بمدى وضوح مسارات تحصيلها وصرفها، وكفاءة إدارتها، والنتائج التي تحققها على أرض الواقع.
فالمواطن لا يريد أن يسمع أرقاماً ضخمة عن الإيرادات دون أن يرى انعكاسها في حياته اليومية. ولا يكفي أن تتحدث المؤسسات عن الموارد المتاحة إذا ظلت المستشفيات تعاني نقص الأدوية، والمدارس تواجه تحديات متزايدة، وشبكات الكهرباء عاجزة عن توفير خدمة مستقرة، والطرقات والمشروعات الخدمية تنتظر التنفيذ أو الاستكمال.
ومن هنا، يصبح السؤال عن مصير الإيرادات حقاً عاماً، وليس مجرد مادة للجدل السياسي أو الإعلامي. فكل ريال يُحصّل باسم الدولة يجب أن يكون له مسار مالي واضح، وكل نفقة عامة ينبغي أن تخضع للرقابة والمساءلة، وكل مسؤول يتولى إدارة المال العام يتحمل واجباً قانونياً وأخلاقياً في تقديم إجابات واضحة عن كيفية استخدام الموارد المتاحة.
المواطن الجنوبي يدفع الفاتورة مرتين
في عدن، حيث تتكرر شكاوى السكان من تراجع الخدمات الأساسية، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً بين احتياجات الناس اليومية وما ينتظرونه من المؤسسات الحكومية. فالكهرباء التي يفترض أن تكون خدمة أساسية أصبحت مصدر قلق مستمر للأسر، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، فيما تتزايد المصروفات المنزلية بفعل ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتكاليف النقل.
ولا تختلف الصورة كثيراً في مناطق أخرى من الجنوب، حيث تواجه قطاعات واسعة من السكان تحديات تتعلق بضعف القدرة الشرائية، وعدم انتظام بعض الخدمات، وصعوبة توفير الاحتياجات الضرورية في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة.
والمفارقة أن المواطن البسيط لا يملك ترف الانتظار الطويل؛ فهو مطالب بتدبير احتياجات أسرته يومياً، وتأمين الغذاء والدواء والتعليم والمواصلات، في وقت لا تتناسب فيه دخول كثير من الأسر مع حجم النفقات المتزايدة.
وهكذا يجد المواطن نفسه يدفع الفاتورة مرتين: مرة من خلال الضرائب والرسوم والتكاليف المختلفة التي يتحملها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومرة أخرى حين يضطر إلى البحث عن بدائل للخدمات العامة المتعثرة، أو تحمل تكاليف إضافية لتوفير ما يفترض أن يكون متاحاً ضمن مسؤوليات الدولة.
وإذا كانت الأزمات الاقتصادية والحرب وتراجع النشاط الإنتاجي عوامل أساسية في تفسير جانب من هذا التدهور، فإنها لا تعفي الجهات المسؤولة من واجب الشفافية، ولا تجعل الرقابة على الإيرادات والنفقات أمراً ثانوياً. بل إن الظروف الاستثنائية تستدعي إدارة أكثر كفاءة للموارد المحدودة، ومحاسبة أشد صرامة لأي تجاوزات تثبتها التحقيقات والتقارير الرسمية.
الفساد المالي والإداري.. خطر يتجاوز الأرقام
لا يقتصر الفساد على اختلاس الأموال أو الاستيلاء غير المشروع على الموارد، بل قد يظهر أيضاً في ضعف الرقابة، وتضارب المصالح، والتلاعب في إجراءات التعاقد، وسوء إدارة المشروعات، وتعطيل تحصيل الإيرادات، وصرف الأموال دون تحقيق النتائج المطلوبة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتداخل مع ضعف المؤسسات، وغياب الإفصاح المنتظم عن الموازنة العامة، وتعدد الجهات التي تتولى إدارة الموارد، وعدم وضوح المسؤوليات بين مستويات الإدارة المختلفة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب على المواطن معرفة حجم الإيرادات الفعلية، وما جرى تحصيله منها، وما أُودع في الحسابات الحكومية، وما خُصص للرواتب والخدمات والمشروعات، وما بقي من الموارد دون تحصيل أو استخدام.
وتبرز هنا أهمية الدور الذي تضطلع به أجهزة الرقابة والمحاسبة، إلى جانب الجهات القضائية والرقابية المختصة، في مراجعة الحسابات العامة، والتحقق من سلامة الإجراءات، والكشف عن أوجه القصور والمخالفات، وإحالة ما يثبت من تجاوزات إلى الجهات المعنية.
لكن الرقابة لا تحقق أهدافها بمجرد إعداد التقارير أو تسجيل الملاحظات؛ إذ ينبغي أن تتبعها إجراءات واضحة، تشمل معالجة الاختلالات، واسترداد الأموال التي يثبت الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وإعلان النتائج للرأي العام بالقدر الذي تسمح به الإجراءات القانونية.
فالمواطن لا يحتاج إلى وعود متكررة بمكافحة الفساد بقدر ما يحتاج إلى نتائج ملموسة، وأرقام موثقة، وإجراءات تثبت أن المال العام ليس ملكاً لمسؤول أو جهة أو مجموعة من المتنفذين، وإنما حق للمجتمع بأكمله.
كشوف الرواتب والمناقصات.. ملفات تحتاج إلى تدقيق
من الملفات التي تستحق اهتماماً خاصاً ملف الرواتب والأجور، بما يشمله من ضرورة التحقق من سلامة قواعد البيانات الوظيفية، ومطابقة الأسماء للوظائف الفعلية، والتأكد من عدم وجود ازدواج في الصرف أو حالات غير مستحقة.
فإذا ثبت وجود أسماء وهمية أو مدفوعات غير قانونية، فإن ذلك يعني استنزافاً للموارد التي كان يمكن أن تُوجَّه إلى مستحقات الموظفين الفعليين أو إلى تحسين الخدمات العامة. غير أن تحديد حجم هذه الاختلالات يتطلب بيانات رسمية مدققة، ولا يصح التعامل مع أي تقديرات متداولة باعتبارها حقائق نهائية دون أدلة.
ويأتي ملف المناقصات والمشتريات الحكومية في المرتبة نفسها من الأهمية. فالمشروعات العامة، سواء تعلقت بالطرق أو الكهرباء أو المياه أو الصحة، تحتاج إلى منافسة عادلة، وإجراءات تعاقد معلنة، ومواصفات فنية واضحة، ومراقبة مستقلة لمراحل التنفيذ.
أما عندما تغيب الشفافية أو تضعف الرقابة، فإن مخاطر تضخم التكاليف، وتأخر التنفيذ، وتدني جودة الأعمال تصبح أكثر حضوراً، وقد يجد المواطن نفسه أمام مشروع أُعلن عنه مراراً دون أن يرى أثره الفعلي في حياته.
ولذلك، فإن نشر بيانات المناقصات، وقيم العقود، وأسماء الجهات المنفذة، ومواعيد الإنجاز، ونسب التنفيذ الفعلية، من شأنه أن يمنح المجتمع والصحافة والجهات الرقابية أدوات عملية لمتابعة الأداء الحكومي، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات العامة.
النفط والموانئ والضرائب.. ضرورة كشف مسارات الإيرادات
تحتل الإيرادات النفطية والجمركية والضريبية موقعاً مهماً في النقاش المتعلق بالمال العام، نظراً إلى ارتباطها بقدرة الدولة على تمويل التزاماتها الأساسية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر بيانات دورية توضح حجم الإنتاج والتصدير والإيرادات المرتبطة بالموارد النفطية والغازية، والرسوم المحصلة في الموانئ والمنافذ، والإيرادات الضريبية والجمركية، والمبالغ التي تدخل الحسابات الحكومية، وآليات توزيعها وفق القوانين والموازنات المعتمدة.
كما تبرز ضرورة توضيح العلاقة بين الجهات التي تتولى التحصيل، والجهات التي تدير الحسابات، والمؤسسات التي تتولى الإنفاق، مع تحديد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحل الدورة المالية.
إن غياب البيانات الموحدة أو صعوبة الوصول إليها يفتح المجال أمام الشكوك والتأويلات، حتى عندما تكون بعض الفجوات ناجمة عن ظروف اقتصادية أو إدارية معقدة. أما الإفصاح المنتظم، فيساعد على التمييز بين العجز الحقيقي في الموارد، وضعف التحصيل، وسوء الإدارة، والمخالفات التي تستوجب التحقيق والمساءلة.
ولا يجوز الجزم بأن أموالاً محددة قد اختفت أو جرى تحويلها بصورة غير قانونية دون مستندات موثوقة تثبت ذلك. لكن من حق المجتمع أن يطالب بكشف الحسابات، ومراجعة الإيرادات، وتوضيح أوجه الصرف، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي تجاوز.
فالأموال العامة لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام غامضة في تقارير مغلقة، بل يجب أن تكون جزءاً من منظومة شفافة يستطيع المواطن من خلالها معرفة ما يدخل إلى الخزينة وما يخرج منها، وما تحقق من إنجازات مقابل ما أُنفق.
تقارير الرقابة الدولية والمحلية.. مؤشرات تستدعي المساءلة
تُظهر تقارير دولية متعاقبة بشأن اليمن حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد والمؤسسات العامة، في ظل الحرب والانقسام المؤسسي وتراجع النشاط الاقتصادي وضعف القدرة على تقديم الخدمات الأساسية.
وتشير التحليلات الاقتصادية والتنموية عموماً إلى أن الفساد وضعف الحوكمة يفاقمان الفقر، ويحدان من كفاءة الإنفاق العام، ويقللان قدرة المؤسسات على الاستجابة لاحتياجات السكان.
غير أن الاستناد إلى هذه المؤشرات ينبغي أن يكون دقيقاً؛ فالتقارير العامة التي تتناول الفساد أو تدهور الحوكمة لا تثبت، بمفردها، اختفاء مبلغ معين من أموال الدولة، كما أن الحديث عن مليارات مفقودة يستلزم تحديد الفترة الزمنية والجهة المعنية والمصدر الرقابي الذي وثّق المبالغ محل التساؤل.
ومن هنا، فإن المسؤولية المهنية تقتضي نشر التقارير الرسمية ذات الصلة، وتحديد الملاحظات التي رصدتها أجهزة الرقابة، والتمييز بين المخالفات المثبتة والشبهات التي لا تزال بحاجة إلى تحقيق.
إن الهدف ليس إطلاق اتهامات بلا أدلة، بل بناء ملف واضح يستند إلى الوثائق والأرقام، ويتيح للرأي العام فهم مكامن الخلل، ومعرفة الجهات المسؤولة، ومتابعة ما اتُّخذ من إجراءات لمعالجة التجاوزات.
المواطن يريد كهرباء ورواتب وخدمات.. لا بيانات مطمئنة فقط
بالنسبة إلى المواطن الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على الكهرباء، أو يقف أمام مستشفى بحثاً عن دواء، أو يعجز عن تلبية احتياجات أسرته بسبب ارتفاع الأسعار، فإن الحديث عن الإصلاح المالي لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عندما يتحول إلى نتائج ملموسة.
فمكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً، ولا حملة إعلامية مؤقتة، بل عملية مستمرة تبدأ بضبط الإيرادات، وتمر بتحسين إدارة الإنفاق، وتنتهي بتحسين حياة الناس.
والمواطن لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يريد معرفة ما تمتلكه الدولة من موارد، وكيف تُدار هذه الموارد، ولماذا لا تكفي بعض الموازنات لتغطية الاحتياجات الأساسية، وما الخطط الموضوعة لتحسين الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ومتى يمكنه أن يرى نتائج تلك الخطط.
كما يريد أن يعرف لماذا تتأخر بعض المشروعات، وما مصير الأموال التي خُصصت لها، وهل خضعت العقود للتدقيق، وهل جرت محاسبة أي جهة ثبت تقصيرها أو مخالفتها للقانون.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً إدارياً، بل جزء من حق المواطنين في الرقابة على الشأن العام، وعنصر أساسي في استعادة الثقة بين المجتمع والمؤسسات.
من الشعارات إلى الإصلاح.. ما المطلوب؟
إن معالجة أزمة الثقة في إدارة المال العام تتطلب خطوات عملية تتجاوز التصريحات التقليدية، وفي مقدمتها نشر بيانات الإيرادات والنفقات بصورة دورية ومفهومة، وإتاحة التقارير الرقابية للجهات المختصة والرأي العام وفق الأطر القانونية، وتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة والمحاسبة.
كما تتطلب توحيد إجراءات التحصيل والإيداع، وتطوير الأنظمة الإلكترونية لتتبع الإيرادات والمصروفات، وربط المدفوعات الحكومية ببيانات دقيقة قابلة للمراجعة، بما يحد من فرص التلاعب ويقلل الاعتماد على الإجراءات الورقية غير المنضبطة.
ومن الضروري أيضاً مراجعة كشوف الرواتب، وتدقيق بيانات الموظفين، ونشر المعلومات الأساسية المتعلقة بالمناقصات والعقود الحكومية، ومتابعة تنفيذ المشروعات وفق جداول زمنية معلنة، مع تحديد الجهات المسؤولة عن أي تأخير أو إخفاق.
وفي الوقت نفسه، ينبغي توفير الحماية القانونية للصحفيين والمبلغين الذين يكشفون مخالفات موثقة، وضمان حقهم في الوصول إلى المعلومات، مع الالتزام بالمعايير المهنية التي تفرق بين النقد المشروع والاتهامات التي تتطلب أدلة.
أما الأهم، فهو أن تتحول نتائج التحقيقات إلى إجراءات فعلية، وأن تُعلن للرأي العام حصيلة الأموال التي جرى استردادها، والمخالفات التي عولجت، والمسؤوليات التي حُددت، والمشروعات التي أُنجزت بفضل تحسين إدارة الموارد.
فالإصلاح المالي الحقيقي لا يُقاس بعدد اللجان المشكلة أو البيانات الصادرة، وإنما بقدرته على وقف الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق، وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها.
إلى متى يبقى المواطن الحلقة الأضعف؟
في نهاية المطاف، تظل قضية المال العام اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على أداء واجباتها تجاه المجتمع. فكلما اتسعت الفجوة بين الموارد المتاحة والخدمات المقدمة، ازدادت الحاجة إلى الشفافية، وتعاظمت مسؤولية الجهات المعنية في تقديم تفسيرات مدعومة بالأرقام والوثائق.
ولا يمكن فصل معاناة المواطن الجنوبي عن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، لكن من غير المقبول أن تتحول هذه الظروف إلى مبرر دائم لتأجيل الإصلاح أو تعطيل المساءلة أو إبقاء الحسابات العامة بعيدة عن أعين المجتمع.
إن الجنوب، كما بقية المناطق اليمنية، يحتاج إلى إدارة رشيدة للموارد، ومؤسسات قادرة على تحصيل الإيرادات وحمايتها، وموازنات تعكس الأولويات الحقيقية للناس، ورقابة تمنع تحويل المال العام إلى مجال للامتيازات الخاصة أو المصالح الضيقة.
فالمواطن الذي يدفع ثمن الأزمات من قوته ووقته ومستقبل أبنائه، يستحق أن يعرف أين تذهب أمواله، ومن المسؤول عن إدارتها، وما الذي تحقق مقابل كل مبلغ أُنفق.
الخلاصة أن القضية لم تعد مجرد سؤال عن إيرادات النفط والغاز والضرائب والموانئ، بل أصبحت سؤالاً عن العدالة والشفافية والمسؤولية: كيف يمكن لدولة تعاني شح الخدمات أن تضمن أن كل مورد متاح يُستخدم في مكانه الصحيح؟
إن كشف الحسابات، وتفعيل الرقابة، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، وتحويل الإيرادات إلى خدمات ملموسة، هي الطريق نحو استعادة الثقة. أما ترك الأرقام غامضة والأسئلة بلا إجابات، فلن يؤدي إلا إلى اتساع فجوة الشك بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة رسمية واضحة، مدعومة بالوثائق والأرقام، لا بالشعارات والوعود:
أين تذهب أموال الشعب؟ وكم يدخل إلى خزينة الدولة فعلياً، وكم يُنفق، ومن يراقب، ومن يحاسب؟ ولماذا يظل المواطن الجنوبي يدفع فاتورة الأزمة بينما ينتظر أبسط حقوقه في الكهرباء والمياه والراتب والخدمات؟
إنها أسئلة لا ينبغي أن تبقى معلقة، لأن المال العام أمانة، والشفافية حق، والمساءلة أساس بناء الدولة، والمواطن ليس مطالباً بالصبر إلى ما لا نهاية، بل من حقه أن يرى نتائج ملموسة لكل مورد يُحصّل باسمه ولكل وعد يُقدّم له.

زر الذهاب إلى الأعلى