اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#معركة الحجاب في أذربيجان: بين احتجاجات الشارع وقبضة الدولة

​كتب /عميد طيار سمير اليعقوبي

هل تنجح المظاهرات في كبح قرار الحكومة لمنع الحجاب في المدارس لكي تتراجع الحكومة؟

 

​تُمثل قضية حظر الحجاب في المدارس والمؤسسات التعليمية في أذربيجان واحدة من أكثر الملفات حساسية واشتعالاً في الدولة الواقعة جنوب القوقاز. فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من السكان ينتمون إلى الدين الإسلامي، تصر الدولة على التمسك بنهجها العلماني الصارم. وقد أدت القرارات الأخيرة المتعلقة بفرض قواعد الزي المدرسي الموحد ومنع الطالبات المحجبات من دخول المدارس إلى موجة غضب عارمة ومظاهرات واحتجاجات في الشارع الأذربيجاني.


​1. جذور الأزمة: منع الحجاب واشتعال الشارع
​تصاعدت التوترات مؤخراً إثر تشديد تطبيق اللوائح والقرارات الحكومية التي تُقيد ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية، مما دفع بالعديد من الطالبات وأولياء الأمور والنشطاء إلى الاحتجاج ورفض هذه القيود.

 

​شكل الاحتجاجات: شهدت العاصمة باكو ومدن أخرى وقفات احتجاجية ومقاطعة لبعض الفصول الدراسية، رافعة شعارات تؤكد أن “الحجاب ليس عائقاً أمام التعليم”.

 

​رد فعل السلطات: تعاملت الحكومة الأذربيجانية بحزم شديد مع هذه الاحتجاجات، حيث أقدمت قوات الأمن على تفريق التجمعات، واعتقال عشرات المتظاهرين والنشطاء (أكثر من 37 شخصاً في باكو وحدها)، فضلاً عن فرض قيود وتقييد مؤقت لبعض منصات التواصل الاجتماعي للسيطرة على تدفق المعلومات وتصاعد الغضب الشعبي.
​2. لماذا ترفض الدولة التراجع عن قيود الحجاب؟

 

​تستند السلطات الأذربيجانية في موقفها المتشدد إلى عدة مرتكزات أساسية تجعلها تمضي قدماً في سياساتها دون اكتراث بالاحتجاجات:
​تقديس الهوية العلمانية: تعتبر القيادة السياسية في أذربيجان أن الحفاظ على الطابع العلماني للدولة هو “خط أحمر” وخط دفاع أساسي ضد تحول البلاد نحو التيارات الدينية التي ترى فيها تهديداً للاستقرار السياسي.
​السياسة الأمنية والخشية من الإسلام السياسي: تنظر الحكومة بأعين الريبة لأي تحركات ذات طابع ديني، وتتعامل معها باعتبارها مشاريع سياسية قد تحركها أطراف خارجية (كإيران المجاورة)، ولهذا تعتمد الحلول الأمنية السريعة والقبضة الحديدية لئلا تتحول قضية الحجاب إلى شرارة لثورة أو معارضة منظمة تهدد نظام الحكم العائلي.
​3. هل ستنجح المظاهرات والاحتجاجات في عودة المحجبات إلى المدارس؟

 

​إذا نظرنا إلى الواقع السياسي والاجتماعي في أذربيجان بموضوعية، فإن احتمالية نجاح المظاهرات الحالية في إجبار الحكومة على التراجع الفوري تبدو ضئيلة جداً، وذلك للأسباب التالية:
​طبيعة النظام السياسي القائم: يمتلك نظام الرئيس إلهام علييف سيطرة مطلقة على مفاصل الدولة، والأجهزة الأمنية، والقضاء، والإعلام، وامتلك تاريخياً تجارب في قمع أي حركات معارضة (سواء كانت سياسية أو دينية) بحزم شديد ودون تقديم تنازلات كبرى.

 

​غياب جبهة معارضة موحدة وقوية: على الرغم من وجود تعاطف شعبي مع الطالبات المحجبات، إلا أن المعارضة السياسية في أذربيجان تعاني من التفتت والضعف الشديد بفعل الملاحقات المستمرة، مما يجعل الضغط الشعبي غير كافٍ لإحداث تغيير جذري في سياسات الدولة.
​الضغط الخارجي المحدود: على الرغم من الانتقادات الحقوقية الدولية (مثل بيانات الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان) والجدل الإقليمي (حتى مع حليفة مقربة كتركيا التي عبر بعض مسؤوليها عن استيائهم من حرمان الفتيات من التعليم بسبب معتقداتهن)، إلا أن الحسابات الجيوسياسية وموقع أذربيجان الإستراتيجي كمزود رئيسي للطاقة تجعل الضغوط الخارجية غير قادرة على تغيير قرارات باكو الداخلية.

 

​الخلاصة
​ستبقى قضية الحجاب في أذربيجان جرحاً مفتوحاً وصراعاً صامتاً بين الهوية الدينية الفطرية للمجتمع والأيديولوجية العلمانية الصارمة للنظام. ورغم أن المظاهرات قد تنجح أحياناً في تسليط الضوء دولياً على معاناة الفتيات والمعلمات من الحق في التعليم، إلا أن النظام الأرجح أن يستمر في سياسات العصا الغليظة متخندقاً خلف قوانينه الصارمة ما لم تحدث تحولات جيوسياسية أو داخلية عميقة. 

زر الذهاب إلى الأعلى