أكتوبر يا موكب التحرير.. يا نصر شعبنا الكبير

كتب/فاطمة اليزيدي:
يا أكتوبر المجيد، يا زلزال الأرض حين تنتفض الشعوب الحرة، ويا صرخة الكرامة حين تضيق دروب الحياة أمام أصحاب الحق، ويا راية النصر التي لا تنحني أمام العواصف، ها أنت تعود إلينا محمّلًا بأمجاد الأبطال، ومطرّزًا بدماء الشهداء، ومفعمًا بروح الثورة التي لا تعرف الانكسار، لتوقظ في وجدان شعبنا الجنوبي ذاكرة النضال، وتعيد إلى ساحاتنا وهج الحرية، وتؤكد للعالم أجمع أن الشعوب التي قررت انتزاع حقها لا يمكن أن تُهزم، وأن الإرادة التي صاغتها التضحيات لا تكسرها المؤامرات، ولا تطفئ جذوتها العواصف، ولا تمحو آثارها سنوات القهر والتعب والانتظار.
يا أكتوبر، يا موكب التحرير، يا نصر شعبنا الكبير، إنك لست مجرد ذكرى عابرة في صفحات التاريخ، ولست مناسبة نزيّن بها الكلمات ونرفع فيها الشعارات ثم نمضي وكأن شيئًا لم يكن، بل أنت حكاية شعبٍ اختار أن يكون سيد قراره، ورمزٌ لإرادة وطنٍ رفض الخضوع، وعنوانٌ لمرحلة تاريخية أثبتت فيها جماهير الجنوب أن الحرية لا تُمنح منّةً من أحد، وأن الكرامة لا تُستجدى من أبواب الآخرين، وأن الأوطان التي يسقي أبناؤها ترابها بدمائهم لا يمكن أن تتحول إلى غنيمة في أيدي الطامعين، ولا إلى ورقة مساومة في أسواق السياسة، ولا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات على حساب أهلها ومستقبل أجيالها.
في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، انطلقت شرارة الثورة من جبال ردفان الشامخة، لتعلن بداية مرحلة جديدة من النضال ضد الاستعمار البريطاني، وتفتح أمام شعب الجنوب طريق التحرر الذي تُوّج بالاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967. ومن تلك اللحظة التاريخية، صار أكتوبر مدرسةً في الصمود، ومنارةً تهتدي بها الأجيال، ودليلًا حيًّا على أن الشعوب العظيمة لا تقاس بحجم ما تمتلكه من سلاح أو مال، وإنما بما تحمله في صدورها من إيمان بحقها، واستعدادها للتضحية في سبيل حريتها، وقدرتها على تحويل الألم إلى قوة، والانكسار إلى نهوض، والحرمان إلى ثورة لا تعرف الاستسلام.
لقد علّمنا أكتوبر أن الأحرار لا ينتظرون من التاريخ أن يصنع لهم المجد، بل يصنعونه بأيديهم، وأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات وحدها، وإنما بالإرادة الصلبة، والوعي المسؤول، ووحدة الصف، والتمسك بالحقوق، والاستعداد لتحمل مشاق الطريق مهما طال. علّمنا أن دماء الشهداء ليست حبرًا لتزيين الخطب، ولا أرقامًا تُستحضر عند المناسبات، ولا صورًا تُرفع لتخاطب العواطف ثم تُنسى عند اتخاذ القرارات، بل أمانة ثقيلة في أعناق الأحياء، ووصية لا تسقط بالتقادم، ومسؤولية تاريخية تفرض على كل من يحمل راية الجنوب أن يكون بمستوى التضحيات التي صنعت هذا المجد.
يا شعب الجنوب، يا شعب الأرض التي عرفت الثورة قبل أن تعرف الراحة، ويا شعب الجبال التي شهدت ولادة الحرية، ويا أبناء السواحل والسهول والوديان الذين حملوا أحلامهم رغم الجراح، إن أكتوبر يناديكم اليوم، لا لتكتفوا باستعادة أمجاد الماضي، بل لتجعلوا من تلك الأمجاد قوةً تدفعكم نحو المستقبل، ومن دروس الثورة بوصلةً تهدي خطواتكم، ومن تضحيات الأبطال عهدًا متجددًا لا تسمحوا لأحد أن يعبث به أو يفرغه من معناه. فالتاريخ لا يخلّد الشعوب لأنها ترفع أصواتها فقط، بل لأنه يرى في مواقفها صدقًا، وفي وحدتها قوةً، وفي قدرتها على حماية حقوقها دليلًا على أنها جديرة بالمستقبل الذي تنشده.
إن الجنوب الذي قدّم قوافل الشهداء، واحتضن الثوار، وفتح أبواب الجبال أمام طلائع الثورة، لا يليق به أن يظل أسير الخلافات الصغيرة، ولا أن تستنزف طاقاته صراعات لا تخدم قضيته، ولا أن تتحول آمال أبنائه إلى وقود لمعارك جانبية تُبعدهم عن أهدافهم الكبرى. فالمراحل المصيرية لا تنتظر المترددين، والتحديات الكبرى لا تواجهها القلوب المتفرقة، والقضايا العادلة تحتاج إلى رجال ونساء يدركون أن اختلاف الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة، وأن التباين في الاجتهاد لا يبرر تمزيق الصف، وأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من الحسابات الضيقة التي لا ترى أبعد من مصالحها الآنية.
إن أعظم وفاء لأكتوبر ليس في كثرة الكلمات التي تُقال عنه، بل في تحويل مبادئه إلى سلوك، وتضحياته إلى مسؤولية، وأهدافه إلى عملٍ جاد يلامس حياة الناس وكرامتهم وحقوقهم. فلا معنى للحديث عن التحرير إذا بقي المواطن يواجه أعباء الحياة وحيدًا، ولا قيمة للشعارات الوطنية إذا لم تنعكس على واقع الناس أمنًا وعدلًا وخدماتٍ وفرصًا تحفظ كرامتهم، ولا يكتمل المجد الثوري ما لم يشعر أبناء الجنوب أن تضحياتهم تصنع مستقبلًا أفضل لأطفالهم، وأن تضحيات الأمس لم تذهب هباءً، وأن الحاضر، مهما اشتدت صعوباته، لا يغلق أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة.
إن الجماهير التي احتشدت في ميادين النضال، والأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن بقلوبٍ تعتصر ألمًا وإيمانًا، والآباء الذين حملوا وجع الفقد بصمت الشرفاء، والشباب الذين آمنوا بأن للجنوب حقًا في مستقبل يختاره أبناؤه بإرادتهم، جميعهم يستحقون أن تكون تضحياتهم موضع تقدير حقيقي، لا مجرد استدعاء موسمي للذاكرة. يستحقون خطابًا صادقًا لا يخدعهم، وقيادةً تدرك حجم المسؤولية، ومشروعًا وطنيًا يتسع للجميع، ويصون كرامة الإنسان، ويحترم التضحيات، ويجعل مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
يا أكتوبر، إن أعداء إرادة الشعوب يراهنون دائمًا على طول الطريق، وعلى تعب الجماهير، وعلى خلافات رفاق الدرب، وعلى أن يتحول الأمل مع مرور السنوات إلى يأس، وأن تصبح التضحيات مجرد ذكريات بعيدة. لكنهم ينسون أن الشعوب التي تمتلك ذاكرةً حية لا تفقد بوصلتها بسهولة، وأن القضايا التي تسكن وجدان الناس لا تموت بمجرد تجاهلها، وأن الحق يحتاج إلى صبرٍ ووعيٍ وثبات، كما يحتاج إلى قيادة مسؤولة تعرف متى تتمسك بمبادئها، ومتى تحمي شعبها من الانقسامات، وكيف تجعل من قوة الجماهير سبيلًا إلى مستقبل أكثر استقرارًا وكرامة.
ولأن الجنوب ليس مجرد جغرافيا على خارطة، بل هو تاريخ وهوية وذاكرة وتضحيات وانتماء، فإن الحفاظ عليه يبدأ بالحفاظ على إنسانه، وصون نسيجه الاجتماعي، واحترام تنوع أبنائه، ورفض كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى خصومة أو يجعل المناطقية والانقسام بديلًا عن المشروع الوطني الجامع. فالوطن الذي يتسع للجميع أقوى من وطنٍ تمزقه العصبيات، والصف الذي يجمعه هدف واضح أصلب من صفٍ تفرقه الحسابات، والإرادة التي تستند إلى وعي الشعب وحقوقه أكثر رسوخًا من أي اندفاع عابر لا تحكمه الحكمة ولا ترشده المسؤولية.
يا أبناء الجنوب، إن الرابع عشر من أكتوبر ليس صفحةً طُويت وانتهت، بل عهدٌ يتجدد كلما استعاد الشعب ثقته بنفسه، وكلما وقف أبناؤه صفًا واحدًا أمام التحديات، وكلما انتصروا لقيم الحرية والعدالة والكرامة، وكلما أثبتوا أن حب الوطن ليس هتافًا مرتفعًا فحسب، بل التزامٌ يومي بحمايته من الفساد والانقسام والعبث بمقدراته. إن الشعوب العظيمة لا تخشى المصاعب حين تعرف وجهتها، ولا تفقد الأمل حين تتعثر خطواتها، ولا تسمح لليأس أن يصبح سيد الموقف، لأنها تعرف أن صناعة المستقبل تحتاج إلى عزيمةٍ لا تلين، وعقولٍ تفكر، وقلوبٍ تتسع، وأيادٍ تعمل، وإرادةٍ لا تفرّط في الحقوق ولا تتخلى عن المسؤولية.
ولن يكون الوفاء لرجال الثورة الأوائل في استنساخ الماضي بحذافيره، بل في فهم روحه واستلهام معانيه؛ فلكل زمن معاركه، ولكل مرحلة أدواتها، ولكل جيل مسؤوليته في حماية ما تحقق والسعي إلى ما ينشده شعبه بالوسائل التي تصون الأرواح وتحفظ الكرامة وتفتح أبواب المستقبل. وإذا كان جيل أكتوبر قد واجه الاستعمار بإرادة التحرير، فإن أجيال اليوم مطالبة بأن تواجه التحديات بالوعي والتنظيم والعمل، وأن تجعل من العلم والمعرفة أساسًا للنهوض، ومن العدالة أساسًا للاستقرار، ومن احترام الإنسان معيارًا لأي مشروع وطني يطمح إلى البقاء والنجاح.
إن الجنوب يستحق أكثر من الوعود، وأكثر من الخطب، وأكثر من الاحتفال الذي ينتهي بانتهاء يوم المناسبة. يستحق مستقبلًا يليق بتاريخه، ومؤسساتٍ تخدم أبناءه، وعدالةً لا تميز بين مواطن وآخر، وفرصًا لا تُحتكر لفئة دون أخرى، وحياةً يشعر فيها الإنسان أن كرامته مصونة وأن صوته مسموع وأن أحلام أطفاله ليست مستحيلة. وتلك هي المعركة التي ينبغي أن تتقدم الصفوف في وجدان كل وطني صادق؛ معركة البناء والإصلاح، وترسيخ الوعي، ومكافحة الفساد، وحماية الحقوق، وتوحيد الجهود حول مصالح الناس وتطلعاتهم المشروعة.
يا أكتوبر المجيد، يا ذاكرة الجنوب التي لا تشيخ، ويا نبض الثورة الذي يتجدد في قلوب الأحرار، عُد إلينا كل عام لتذكّرنا بأن الشعوب لا تُقاس بما أصابها من جراح، بل بما استطاعت أن تنهض به بعد الجراح، ولا بما واجهته من عثرات، بل بما امتلكته من إرادة لتجاوزها. عُد لتقول لكل من راهن على نسيان الجنوب إن الذاكرة الوطنية لا تُمحى، ولكل من استهان بتضحيات أبنائه إن دماء الشهداء ستظل أمانةً في أعناق الأجيال، ولكل من ظن أن الخلافات قادرة على إطفاء روح الشعب إن الوعي والوحدة والعمل المسؤول قادرة على فتح نوافذ الأمل مهما اشتدت العواصف.
سلامٌ على ردفان يوم أطلقت شرارة الثورة، وسلامٌ على جبال الجنوب التي احتضنت حكايات البطولة، وسلامٌ على كل شهيدٍ قدّم روحه من أجل الحرية، وسلامٌ على كل جريحٍ يحمل في جسده ذاكرة التضحية، وسلامٌ على كل أمٍّ صابرةٍ لم تنطفئ في قلبها شعلة الأمل، وسلامٌ على كل مواطنٍ جنوبيٍّ متمسكٍ بكرامته، مؤمنٍ بحق شعبه في حياةٍ حرةٍ عادلةٍ وآمنة.
وختامًا، سيبقى أكتوبر أكبر من أن تختصره مناسبة، وأعظم من أن تحاصره الكلمات، وأرسخ من أن تنال منه رياح النسيان. سيبقى شاهدًا على أن إرادة الشعوب حين تتوحد حول حقوقها تتحول إلى قوةٍ لا يستهان بها، وأن الكرامة لا تسقط بالتقادم، وأن الأوطان التي تكتب تاريخها بالتضحيات لا يليق بها أن ترضى بمستقبلٍ أقل من أحلام أبنائها.
أكتوبر يا موكب التحرير، يا نصر شعبنا الكبير، يا عهد الأحرار الذي لا يموت، ويا راية الجنوب التي لا ينبغي أن تنحني أمام اليأس والانقسام.
عهدًا لك يا أكتوبر أن تظل ذكراك يقظةً في الضمائر، وأن تبقى تضحيات أبطالك منارةً للأجيال، وأن يظل الجنوب حاضرًا في وجدان أبنائه، عزيزًا بكرامة شعبه، قويًا بوحدة صفه، مرفوع الرأس بإرادته، متمسكًا بحقوقه، ساعيًا إلى مستقبلٍ يصنعه أبناؤه بالوعي والعمل والثبات.
فليشهد التاريخ، ولتسمع الدنيا، وليعلم كل من يراهن على انكسار الشعوب أن أكتوبر ليس حكايةً من الماضي، بل روحٌ تتجدد، وإرادةٌ لا تستسلم، وذاكرةٌ لا تُباع، وكرامةٌ لا تُساوَم.
عاش أكتوبر المجيد، وعاش شعب الجنوب متمسكًا بحقه وكرامته، والمجد للشهداء، والشفاء للجرحى، والحرية والعدالة والسلام لكل أبناء الجنوب.
أكتوبر يا موكب التحرير.. يا نصر شعبنا الكبير، ستظل في قلب الجنوب نبضًا لا يتوقف، وعهدًا لا يسقط، وصرخةً ترددها الأجيال: ما دام فينا نفسٌ ينبض، فسيبقى الأمل حيًّا، وستبقى الكرامة غايتنا، وسيظل مستقبل الجنوب أمانةً نصونها بالوعي والوحدة والعمل، حتى تتحقق تطلعات شعبنا في غدٍ يليق بتاريخه وتضحياته.