اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عاصفة الحزم: من وعد التحرير إلى خذلان الجنوب

بقلم/صالح حقروص

بعد أكثر من عشر سنوات على انطلاق عملية “عاصفة الحزم” في 26 مارس 2015، لم يعد السؤال المطروح: من انتصر في اليمن؟ بل صار السؤال الأكثر إلحاحاً: من دفع الثمن؟ ومن قُدّم له الوعد؟ ومن تُرك في منتصف الطريق؟

في ذلك التاريخ، وزّعت المهام بين حلفاء التحالف العربي: دولة الإمارات العربية المتحدة والقوات المسلحة الجنوبية تولّتا مسؤولية تحرير الجنوب من مليشيات الحوثي وعفاش، بينما تولّت المملكة العربية السعودية والقوات الشمالية مسؤولية تحرير الشمال. وكانت النتيجة الأولى سريعة: الإمارات نجحت في مهمتها خلال العام نفسه، وحرّر الجنوبيون أرضهم في فترة وجيزة، لأنهم كانوا صادقين مع حليفهم، ومخلصين لقضيتهم، ومستعدين للتضحية من أجل مستقبلهم.

في المقابل، قدّمت السعودية والتحالف وعوداً للجنوبيين باستعادة دولتهم وعاصمتها عدن على حدود ما قبل 1990. ومن أجل ذلك، قدّم الجنوبيون تضحيات كبيرة، وضحّوا بآلاف الشهداء، ودافعوا عن حدود السعودية نفسها. لكن السنوات التي تلت كشفت أن الوعود السياسية يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط، وأن الحلفاء قد يصبحون عبئاً عندما تتغيّر الحسابات.

فشلت السعودية في تحرير الشمال، ليس لأن المهمة مستحيلة فحسب، بل لأن الشماليين لم يكونوا شركاء حقيقيين في هذه المهمة. لقد عملوا على استثمار الحرب، واستنزاف السعودية على مدى أكثر من عشر سنوات، دون أن ينجزوا ما وُعدوا به. وهنا المفارقة: من أخفق في الشمال تُرك ليكمل إخفاقه، ومن نجح في الجنوب طُلب منه أن يدفع الفاتورة.

اتفاق الرياض، المبرم في نوفمبر 2019 بضمانة سعودية، كان واضحاً: إخراج القوات الشمالية المتواجدة في حضرموت وشبوة والمهرة، ونقلها إلى مأرب لمحاربة الحوثي وتحرير صنعاء، واستبدالها بالقوات المسلحة الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي. لكن هذا البند ظلّ معطلاً أكثر من ست سنوات. والسببان لم يكونا خفيين: الأول أن خروج تلك القوات يعني فقدان مبالغ مالية ضخمة تُصرف لها من الشركات النفطية العاملة في حضرموت مقابل الحماية الأمنية، والثاني محاولة منع كشف عمليات نهب وسرقة النفط.

وبعد أن وصلت السعودية إلى طريق مسدود، طلبت من القوات الجنوبية إخراج تلك القوات بالقوة، وهو ما حدث في نهاية عام 2025. ونُشرت القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة بموجب اتفاق الرياض، وهو ما كان مقرراً منذ 2019. لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك: طلبت السعودية من القوات الجنوبية الخروج وتسليم المواقع لقوات “درع الوطن” الموالية لها، خلافاً للاتفاق. ورغم مرونة الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي بقبول نشر درع الوطن على الشريط الصحراوي ومنفذ الوديعة، اندلع خلاف كبير حول معسكر الخشعة، اللواء 37 مدرع سابقاً.

لم تكن أهمية الخشعة عسكرية فقط. فالمعسكر يحتوي على منشآت وآبار نفطية، ويكشف شبكات تهريب ونهب منظم، ويضم عشرات محطات التكرير غير القانونية. وبعد سيطرة القوات الجنوبية عليه، برزت هذه المعطيات بوضوح، ما دفعها إلى رفض تسليمه. أما إصرار السعودية على استلامه، رغم عدم تهديده لأمنها القومي، فيبدو أنه يأتي لدوافع سياسية واقتصادية، من بينها منع كشف المزيد من الملفات المرتبطة بنهب الثروات النفطية.

ومع فشل الضغوط السياسية، لجأت الرياض إلى الخيار العسكري. تعرضت القوات الجنوبية لقصف من الطيران السعودي أسفر عن مقتل مئات الجنود. ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، بل جرى إخراج الإمارات من الجنوب العربي، والانتقام من الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي.

لكن الكارثة الكبرى جاءت في بداية عام 2026، عندما أعادت السعودية القوات الشمالية إلى محافظات حضرموت والمهرة، وطالبت القوات الجنوبية بتحرير الشمال. هذا الطلب مخالف تماماً لاتفاق الرياض، الذي نصّ على إخراج تلك القوات ونقلها إلى مأرب، واستبدالها بالقوات الجنوبية. وبدلاً من أن تلتزم السعودية بالاتفاق الذي كانت الضامن لتنفيذه، عملت بالمخالفة له، وخذلت الجنوبيين في أبشع صورة، مع أنهم حرّروا الجنوب، وقاتلوا ودافعوا عن السعودية وحدودها، وكانوا أوفياء لها، وقدّموا آلاف الشهداء.

في تقديري، ما حدث ليس مجرد إخفاق عسكري أو سياسي، بل غدر بحليف قدّم كل شيء. والهدف واضح: السيطرة على الثروات النفطية والغازية في محافظات حضرموت وشبوة والمهرة، والحصول على منفذ بحري على البحر العربي، لتنفيذ مشروع مد أنبوب النفط السعودي وتصديره عبر البحر العربي، لتجاوز تهديد إغلاق مضيق هرمز.

لذلك، إذا كانت السعودية قد أخفقت في تحرير الشمال، فهذه مشكلتها. لكن المشكلة الحقيقية هي أن يُحمّل الجنوب تبعات هذا الإخفاق، وأن يُطلب منه أن يحرّر الشمال بعد أن حرّر الجنوب، وأن يُعاقب على وفائه.

الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة تُستخدم ثم تُرمى. ومن يريد شراكة حقيقية، عليه أن يحترم الاتفاقات، لا أن يقلبها على ضامنيها.

زر الذهاب إلى الأعلى