اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

المعلّم.. جيش الجنوب الذي لا يحمل بندقية

كتب/فاطمة اليزيدي:

في اليوم العالمي للمعلم، تذكّروا أن الأوطان لا تسقط بسقوط جيوشها فقط، بل تبدأ خسارتها حين يُهمل عقلها ويُهان من يصنع أجيالها. وهذا ما أدركه فيليب المقدوني عام 343 قبل الميلاد، حين استدعى أرسطو ليعلّم ابنه الإسكندر، فلم يعلّمه حمل السيف فقط، بل علّمه حمل السؤال، ولم يعلّمه غزو الخريطة، بل فهم الفكرة؛ لأن صناعة الإنسان أعظم من صناعة الجيوش، وصناعة العقل أبقى من كل انتصار. واليوم، ما أحوج الجنوب إلى أن يتذكر هذه الحقيقة؛ فالمعلّم ليس ناقل معلومة، والمعلومة أصبحت في كل هاتف، وإنما هو صانع وعي وضمير، يعلّم الطفل أن الكرامة أهم من الخبز، وأن الوطن ليس نشيدًا نردده، بل هوية ومسؤولية تُحمل على الكتف، وأن الإنسان بلا علم ووعي يصبح فريسةً سهلة لكل من يريد أن يعبث بمستقبله. كل جيش يحمي الحدود، إلا المعلّم فيحمي ما وراءها؛ يحمي العقل من الاحتلال، والقلب من التطرف، والهوية من الضياع، والجيل من أن يصبح بلا قضية ولا اتجاه. ولهذا فإن مكانة المعلّم لا تُقاس بوظيفته ولا بعدد ساعات دوامه، بل بحجم الأجيال التي يضع أول حجر في طريقها، ومن يصنع الطبيب والمهندس والجندي والقائد لا يجوز أن يعيش على هامش الحياة، ولا أن يكون آخر من يُنظر إلى كرامته، فـ300,000 ليست رفاهيةً أمام هذه الرسالة، بل بدايةٌ تليق بمن يحمل مستقبل أمة على كتفيه، ويجب أن يكون المعلّم في أعلى فئات الموظفين مكانةً وتقديرًا ودخلًا. يا أهل الجنوب، إذا أردنا وطنًا قويًا فلا يكفي أن نحمي أرضه، بل علينا أن نحمي عقول أبنائه، وإذا أردنا جيلًا لا يُستعبد ولا يُستغل، فعلينا أن نرفع شأن من يعلّمه كيف يفكر، لا كيف يحفظ فقط.

فالجندي قد يقف على حدود الجنوب ببندقيته ليحمي ترابه، أمّا المعلّم فيقف أمام سبورته ليحمي الجنوب كله؛ يحمي ذاكرته وهويته ووعيه ومستقبله. ولهذا، حين نكرّم المعلّم، فنحن لا نكرّم موظفًا، بل نكرّم الجيل الذي سيحمل الجنوب من بعدنا. المجد لمن يكتبون المستقبل بفكرة، والمجد لمعلّمٍ يصنع وطنًا كاملًا بقلمٍ لا يحمل بندقية.

زر الذهاب إلى الأعلى