الإخوان والجنوب.. سهام الخصومة تتجه جنوباً بينما تبقى مليشيات الحوثي خارج مرمى التصعيد؟

في المشهد السياسي والعسكري اليمني، تبرز مفارقة تستحق التوقف أمامها: تصاعد الخطاب والخصومة تجاه القوى الجنوبية، في مقابل تراجع مستوى المواجهة السياسية والإعلامية مع جماعة الحوثي، رغم استمرار الأخيرة في فرض نفوذها على مساحات واسعة من البلاد. هذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً حول أولويات جماعة الإخوان وحساباتها السياسية، وما إذا كانت قضية الجنوب قد أصبحت في نظرها ساحة أكثر إلحاحاً من مواجهة المشروع الحوثي.
فالجنوب، بالنسبة إلى القوى الجنوبية، لم يعد مجرد ملف يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل أصبح قضية سياسية مرتبطة بالهوية والتمثيل ومستقبل الدولة. ومع اتساع الحضور السياسي والعسكري للقوى الجنوبية، باتت هذه القوى تطالب بأن يكون لها موقع واضح في أي ترتيبات سياسية قادمة، وأن يتم التعامل مع قضية الجنوب باعتبارها أحد الملفات الأساسية في أي تسوية شاملة.
وفي المقابل، يرى منتقدو جماعة الإخوان أن جزءاً من خطابها السياسي يوجه انتقادات حادة إلى المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية، بينما لا يحظى الحوثيون بالقدر ذاته من التصعيد في بعض المراحل والخطابات. وهذه القراءة لا تعني بالضرورة غياب الخلاف مع الحوثيين، لكنها تفتح الباب أمام التساؤل عن ترتيب الأولويات السياسية، خصوصاً عندما تتحول الخصومة مع القوى الجنوبية إلى عنوان دائم في الخطاب السياسي والإعلامي.
وتكمن حساسية المسألة في أن الجنوب لا ينظر إلى هذا السلوك باعتباره مجرد خلاف سياسي عابر، بل يراه امتداداً لصراع أوسع حول شكل الدولة وموقع الجنوب فيها. فالقوى الجنوبية تقول إن تجربتها العسكرية والسياسية خلال السنوات الماضية منحتها حضوراً لا يمكن تجاوزه، وإن أي مشروع سياسي يسعى إلى إعادة إنتاج الصيغة القديمة للدولة دون معالجة جذور القضية الجنوبية سيظل عاجزاً عن بناء تسوية مستقرة.
وفي هذا السياق، تبدو المعركة السياسية أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين أطراف يمنية متنافسة. فهناك مصالح إقليمية وحسابات دولية، وهناك ملفات الأمن البحري ومضيق باب المندب وسواحل الجنوب، فضلاً عن الموارد والثروات والموقع الجغرافي الذي يجعل الجنوب طرفاً مهماً في أي ترتيبات إقليمية تخص البحر الأحمر وخليج عدن.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا تختلف جماعة الإخوان مع القوى الجنوبية؟ فالخلاف السياسي أمر طبيعي في المجتمعات التي تشهد صراعاً على السلطة ومشاريع الدولة، وإنما السؤال الأهم هو: لماذا يصبح الجنوب في بعض الخطابات هدفاً دائماً للتصعيد السياسي، بينما لا يبدو الحوثي دائماً في الموقع نفسه من سلم الأولويات؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بتعقيدات التحالفات السياسية وتضارب المصالح بين القوى المناهضة للحوثيين، أو قد بمحاولة كل طرف الحفاظ على نفوذه وموقعه في أي ترتيبات مستقبلية. كما قد يرى بعض المراقبين أن الصراع بين القوى المناهضة للحوثيين على النفوذ والتمثيل أضعف الجبهة السياسية والعسكرية في مواجهته، وجعل الخصومة الداخلية أكثر حضوراً من الهدف الذي يفترض أن تتجمع حوله القوى المناهضة للانقلاب.
لكن المشكلة الأكبر تكمن في أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى حالة استنزاف طويلة، بحيث تنشغل الأطراف ببعضها، بينما تبقى القضايا الكبرى بلا حلول. فالجنوب يريد معالجة قضيته السياسية، والحوثي يواصل مشروعه السياسي والعسكري، والمجتمع الإقليمي والدولي يبحث عن تسوية توقف الحرب وتعيد ترتيب المشهد.
ولهذا فإن أي مقاربة سياسية جادة تحتاج إلى الاعتراف بحقيقة التعدد السياسي والعسكري الموجود على الأرض، وعدم التعامل مع طرف جنوبي فاعل باعتباره مجرد تفصيل يمكن تجاوزه أو احتواؤه. كما أن مواجهة الحوثيين، وفق ما يراه خصومهم، تحتاج إلى جبهة أكثر تماسكاً، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل استمرار الصراعات البينية ومحاولات إقصاء أحد الأطراف الرئيسية.
إن قضية الجنوب لا يمكن حلها بالخطاب الإعلامي، ولا بإغراق الساحة السياسية بحملات التخوين والاتهامات المتبادلة. وبالمثل، فإن مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تقوم على إدارة الخلافات الداخلية بمنطق الغلبة، لأن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن إضعاف طرف على حساب طرف آخر لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الصراع، بل قد يضيف طبقة جديدة من التعقيدات.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً أمام مختلف القوى السياسية: هل الأولوية هي إعادة إنتاج صراعات الماضي، أم بناء صيغة سياسية جديدة تعترف بالواقع وتتعامل مع قضية الجنوب كاستحقاق سياسي حقيقي، وفي الوقت نفسه تحدد بوضوح كيفية التعامل مع الحوثيين ومشروعهم؟
فإذا كانت التسوية السياسية هي الهدف، فإن الطريق إليها يبدأ من الاعتراف بأن الجنوب ليس ساحة مفتوحة للصراعات الحزبية، وأن القوى الجنوبية ليست مجرد أدوات مؤقتة يمكن استدعاؤها في الحرب ثم تهميشها عند صياغة مستقبل البلاد. وفي المقابل، فإن أي مشروع جنوبي مستقبلي يحتاج أيضاً إلى تقديم رؤيته السياسية بصورة واضحة وقابلة للنقاش أمام الداخل والإقليم والمجتمع الدولي.
وفي المحصلة، فإن استمرار توجيه سهام الخصومة نحو الجنوب، أياً كانت دوافعه، لن يلغي القضية الجنوبية، كما أن تجاهل الحوثي في أي حسابات سياسية لا يغير من حقيقة وجوده كطرف رئيسي في الصراع. المطلوب هو قراءة المشهد كما هو، لا كما ترغب بعض القوى في أن يكون: جنوب له قضية سياسية وحضور ميداني، وحوثي يفرض واقعاً سياسياً وعسكرياً، وتسوية لن تكون قابلة للحياة ما لم تتعامل مع جذور الصراع وموازين القوى ومصالح الأطراف الفاعلة بواقعية.