اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#مقالة..د/فضل الربيعي : الشماليين يتصاعون على إرث ٢٦ سبتمبر ..خطاب كل من (العليمي والمشاط)

د/فضل الربيعي

يمثل التعاطي المعاصر مع خطابي «٢٦ سبتمبر» و«١٤ أكتوبر» محوراً مفصلياً في فهم التحولات الجيوسياسية والاجتماعية في اليمن، إذ لم تعد المناسبات الوطنية مجرد محطات تاريخية للتذكر، بل تحولت إلى ساحات للصراع الرمزي والإيدولوجي وإعادة تعريف الشرعيات والتطلعات السياسية.

​فيما يلي تحليل نقدي لأبعاد هذا الصراع الرمزي، ومستقبل الجنوب في ظل هذه المعادلة المعقدة:
​أولاً: التحليل النقدي للصراع على الرمزية التاريخية
​١. صراع الحوثي والشرعية على «٢٦ سبتمبر» (في النطاق الشمالي)

​جماعة الحوثي (أنصار الله): تحاول إعادة إنتاج مفهوم ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ لتجريدها من مضامينها الجمهورية والتعددية، واستبدالها أو إلحاقها برؤية عقائدية جديدة (ثورة ٢١ سبتمبر). يسعى هذا الخطاب إلى صياغة بشرعية صلبة ترتكز على مواجهة الخصوم السياسيين والتدخلات الخارجية، مع تقليص الإرث السياسي والتاريخي لنظام الجمهورية اليمنية التقليدي.
​الشرعية اليمنية: تتخذ من ثورة ٢٦ سبتمبر العصب الرئيسي لشرعيتها ومبرر وجودها السياسي والعسكري. بالنسبة لها، تمثل ٢٦ سبتمبر المظلة الجامعة التي تضم مختلف القوى المناهضة للمشروع الحوثي، وتعتبرها وثيقة التأسيس للجمهورية والعدالة والمواطنة، ممّا يجعل الدفاع عنها دفاعاً عن المفهوم المتبقي للدولة الوطنية.
​٢. الاستقلال الرمزي والجغرافي لـ «١٤ أكتوبر» (في نطاق الجنوب)
​المسار التاريخي المستقل: تعبر ثورة ١٤ أكتوبر ١٩٦٣ في المحافظات الجنوبية عن نضال ضد الاستعمار البريطاني أفضى إلى إقامة دولة مستقلة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سابقاً).
​التمايز الوجداني والسياسي: يرتبط الوجدان الجمعي في الجنوب بـ ١٤ أكتوبر كعلامة فارقة لميلاد الهوية السياسية الحديثة للجنوب. لذلك، فإن محاولة إسقاط الصراع الشمالي حول ٢٦ سبتمبر على الجغرافيا الجنوبية تُقوبل بـ مقاومة ثقاقية وسياسية، باعتبار أن الجنوب يمتلك محطته الوطنية التأسيسية التي تعبر عن تطلعاته وتاريخه الخاص.

​ثانياً: مستقبل الجنوب وتضحيات أبنائه
​تضع التطورات الراهنة المستقبل السياسي للجنوب أمام مسارات متعددة، تحكمها التضحيات الجسيمة التي قُدّمت في مختلف المراحل:
​١. استحقاق التضحيات وإعادة بناء الهوية السياسية
​لقد قدم أبناء الجنوب تضحيات كبيرة في مختلف المراحل التاريخية، بدءاً من ثورة ١٤ أكتوبر، مروراً بالحراك السلمي الجنوبي، وصولاً إلى التصدي الميداني للتمدد العسكري في ٢٠١٥ وما تلاها. هذه التضحيات كفلت واقعاً سياسياً وعسكرياً جديداً فرض نفسه على الأرض، وأعاد قضية الجنوب إلى صدارة أي تسوية إقليمية أو دولية.
​٢. خيارات المستقبل وسيناريوهاته

​إعادة تشكيل الدولة وتقرير المصير: تتجه معظم القوى الفاعلة في الجنوب نحو المطالبة بحق تقرير المصير أو العودة إلى وضع الدولتين وفق أطر تفاوضية ترعاها الأمم المتحدة والإقليم، مستندة إلى مبدأ أن الوحدة الاندماجية لعام ١٩٩٠ لم تعد قائمة بصيغتها القديمة.
​التشبيك الإقليمي والدولي: يتوقف مستقبل الجنوب السياسي على مدى قدرة القوى الجنوبية على بناء مؤسسات حوكمة صلبة، وإدارة التنوع الداخلي، وتأمين الممرات المائية الحيوية (مثل مضيق باب المندب وخليج عدن)، بما يجعل الجنوب شريكاً فاعلاً وأساسياً في الأمن الاستراتيجي والإقليمي.

​التحديات الداخلية (إدارة الاستحقاق): يكمن المحك الرئيسي في تقديم نموذج إداري وتنموي ناجح في المناطق المحررة، وتجاوز الاستقطابات السياسية، وبناء خطاب وطني جامع يتسع لكل أبناء الجنوب بمختلف أطيافهم ومحافظاتهم.

​الخلاصة
​إن الفصل بين السرديات التاريخية ليس مجرد تباين في القراءة، بل هو انعكاس لواقع جيوسياسي واجتماعي يتشكّل على الأرض. إن الحفاظ على قيمة تضحيات أبناء الجنوب يتطلب الانتقال من مرحلة الخطاب والتعبئة إلى مرحلة التأسيس المؤسسي المستقر، وضمان أن تتصدر قضية الجنوب أي خارطة طريق مستقبلي لتحقيق السلام العادل والاستقرار الدائم في المنطقة

زر الذهاب إلى الأعلى