الجنوب: الوطن الذي أكلته بطون الانتهازيين

بقلم د. أمين العلياني
ليس أصعبَ على المرءِ من أن يبوحَ بحقيقةٍ صارتْ في مقامِ المحرَّمِ من القول، وفي منزلةِ المتعذِّرِ من البوح، حين يلبسُ قومٌ ثوبَ الوطنيةِ وهم يريدونَ السلطةَ لا الوطن، وحين يرفعونَ أصواتَهم عاليةً لا لأنَّ الصدقَ يسكنُ حناجرَهم، بل لأنَّ في الجهرِ ضجيجًا يُغطّي على فراغِ القلوبِ من كلِّ معنىً سوى معنى المنصبِ والمكسب، فيغدُو الصوتُ المرتفعُ مؤشِّراً سكتونيًّا دالًّا على عطَبٍ في الضمير، لا على نبضٍ حيٍّ في الوجدان. وتلك حقيقةٌ مؤلمةٌ تجلَّتْ في سلوكِ بعضِ أصحابِ مسارِ الرياضِ ممن تقمَّصوا رداءَ المشروعِ الجنوبي الوطني زمنًا، ثم انكشفُوا حين مالتْ كفَّةُ المصالحِ فمالُوا معها، كأنَّ الوطنَ لديهم بضاعةٌ تُساومُ في الأسواق، وليستْ أمانةً تُحمَلُ في الأعناق تطلعات شعب تريد الانتصار.
ولعلَّ في حكايةِ هؤلاءِ القومِ عبرةً لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، إذ بدأُوا المسيرَ مع المجلسِ الانتقاليِّ الجنوبيِّ رافعينَ شعارَ استعادةِ الدولة، متشدِّقينَ بعباراتٍ ملتهبةٍ عن الحقِّ والتحرير، حتى إذا اكتملَ عقدُ المجلسِ وانتظمَ صفُّه، وإذا بهم يخرجونَ في لحظةِ حماسٍ كاشفةٍ ليقولوا بصوتٍ واحد: أعلِنْها دولةً يا عيدروس قبل أحداث يناير الدامية بفعل الغدر السعودي المتوحش. ولمَّا غدرت السعودية بصورة إجرامية لا يغفرها ربنا قبل الشعب بقوات مجلسنا الانتقالي وقيادته وشيطنت جهودهم الوطنية، وسافر من سافر إلى الرياض من قيادة المجلس الانتقالي وفدًا ممثلًا ومنهم من سافر متعيشًا وهم الأغلبية، وعندما انقلبتِ الموازينُ، وتوزَّعتِ الأدوارُ، أنكر بعضهم علمَهم بقرارِ دخولِ قواتِ الجنوبِ إلى حضرموت، وقالوا: إنه قرارٌ فرديٌّ من الرئيس الزبيدي لا شأنَ لهم به، وكأنَّ الذين صرخُوا بالأمسِ أعلِنْها دولة هم أنفسُهم الذين يتبرَّءونَ اليومَ من تبعاتِ القرار، أو كأنَّ الذاكرةَ عندَهم صفحةٌ تُطوَى متى شاؤوا، أو شريطٌ يُمحَى إذا ما تعارضَ مع مصالحِهم المستجدَّة.
وهنا تُطرَحُ الأسئلةُ الموجِعة: إذا كانَ القرارُ فرديًّا حقًّا، ولم يُستشَرْ الرئيس الزبيدي فيه أحدٌ منهم رغم صوابيته كما أثبتت الأيام، فلماذا صدر منهم ذلك الحماسُ المنفلتُ في الميادين؟ ولماذا تلك العباراتُ الناريَّةُ التي ألهبتْ مشاعرَ الملايين من الشعب في ساحة العروض وعلى شاشة قناة عدن المستقلة؟ ولماذا ذلك التصفيقُ الحادُّ والزغاريدُ المدوِّية حين أعلنوا التأييد أمام جماهير شعبهم؟ ألأنَّ القرارَ كان صائبًا حين ظنُّوا أنَّه سيُفضِي إلى مكاسبَ شخصيةٍ ومحليةٍ ضيقة، ثم صارَ خطأً حين اكتشفُوا أنَّ الحسابَ في الرياضِ له موازينُ أُخرى، وأنَّ البقاءَ في الواجهةِ يتطلَّبُ تنازلاتٍ تُقدَّمُ على مذبحِ المشروعِ الذي طالما تغنَّوا به؟ وهذه هي عقليَّةُ الانتهازِ السياسيِّ التي لا تعرفُ من الوطنيةِ إلا شعارَها، ومن النضالِ إلا مكاسبَه، ومن الثباتِ إلا تنقُّلاتِه بينَ المواقفِ كما يتنقَّلُ التاجرُ بينَ الأسواقِ باحثًا عن أعلى سعرٍ لبضاعتِه.
ثم جاءتِ الفصولُ الأخيرةُ من هذه المأساةِ؛ لتكشفَ المستورَ كشفًا لا مزيدَ عليه، إذ انتهى المطافُ بهؤلاءِ أو قل بعضهم إلى الدعوةِ لتمكينِ المحافظاتِ والمجتمعاتِ والفئات المحليةِ من حقوقِها في التمثيل عبر المجالس التنسيقية زاعمين بأنها وسيلة يرضون بها الوصاية السعودية في مواجهةِ إرادة الشعب من جهة ومركزيةِ المجلسِ الانتقاليِّ التي قالوا إنَّها صارتْ بيدِ الرئيس من جهة أخرى، وكأنَّهم لم يكونوا قبلَ سنواتٍ من أشدِّ المتحمِّسينَ لتوحيدِ الصفِّ ولمِّ الشعثِ تحتَ مظلةِ هذا المجلسِ نفسِه، وكأنَّ التاريخَ لديهم ليس سوى لحظةٍ راهنةٍ تُعاشُ بلا جذور، وكأنَّ المبادئَ التي رفعوها في وجهِ الشعب على مسيرة المجلس الانتقالي لم تكنْ سوى أقنعةٍ من ورقٍ تتساقطُ مع أولِ هبَّةِ ريحٍ معاكسة.
فيا عجبًا من قادة وقيادات كانوا بالأمسِ يتحدَّثونَ بلغةِ الدولةِ والسيادةِ واستعادةِ الحقِّ المسلوب، فإذا بهم اليومَ يتقوقعُونَ في مطالبَ بلديةٍ أو قل حكم محليات جهوية؛ لتمثيل فئات مجتمعية ضيقة على حساب إرادة الشعب، ويجاهرونَ بما كانوا يخجلونَ من البوحِ به، بعدَ أن أكلُوا من امتيازات المجلس الانتقالي ما أكلُوا، وشربُوا من بطونِ المشروعِ حتى شبِعوا، حتى قيلَ إنَّ الدُّودَ كان يسكنُ بطونَهم من كثرةِ الأكل، فلم يعدْ في جعبتِهم سوى فتاتِ الموائدِ التي ولَّى زمانُها، أو مصالحَ صغيرةٍ يختبئونَ خلفَها كمن يختبئُ خلفَ إصبعه بعدَ أن انكشفَ عوراتُه. وكم هي مؤلمةٌ تلك اللحظةُ التي يتحوَّلُ فيها الرجالُ إلى ظلالٍ لذواتِهم السابقة، وتتحوَّلُ فيها الكلماتُ الكبيرةُ إلى حنينٍ بعيد، كأنَّها لم تكنْ سوى صدىً لصوتٍ انطفأَ في وادٍ لا رجعةَ فيه.
وإنَّ المتأمِّلَ في مسارِ هؤلاءِ الذين يتبنونه؛ ليدركُ أنَّهم لم يكونوا يومًا أصحابَ مشروعٍ حقيقي داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، بل كانوا أصحابَ مطامحَ شخصيةٍ ركبتْ موجةَ الغضبِ الشعبيِّ حين كانَ الغضبُ في أوجِه، ثم قفزتْ منها إلى قواربَ أُخرى حين تغيَّرتِ الرياح، تاركينَ خلفَهم ملايين من الشعب حائرةً بينَ وعودٍ لم تتحقق، وشعاراتٍ تبخَّرت، ومسيرةٍ انحرفتْ عن مسارِها بفعلِ من كانوا يُفترَضُ فيهم أن يكونوا سدنتَها وحُرَّاسَها. وليسَ في هذا القولِ تجنٍّ على أحد، فالذاكرةُ الرقميةُ شاهدة، وقنواتُ الإعلامِ التي وثَّقتْ كلماتِهم وصورَهم لا تزالُ تحتفظُ بكلِّ شيء، فهناك في أرشيفِ عدن المستقلة وغيرِها من المنصاتِ، مقاطعُ فيديو لا تكذبُ ولا تتجمَّل، تظهرُ فيها الوجوهُ نفسُها، والأصواتُ نفسُها، تتنقَّلُ بينَ النقيضِ ونقيضِه في زمنٍ قياسي، وكأنَّ الزمنَ لديهم ليس سوى لحظاتٍ متقطعةٍ لا رابطَ بينها سوى المصلحةِ العابرة.
فيا أيها التاريخ سجل في ذاكرتك ويا قلم النضال سجل في صفحاتك أن أؤلئك المتلبِّسينَ كانوا يرتدون ثوب الوطنيةِ زورًا، وقل لهم: استحيُوا من أنفسِكم إن كانَ في نفوسِكم بقيةٌ من حياء، واستحيُوا من تلك الملايين التي خرجتْ خلفَكم في الشوارعِ والميادين، رافعةً صورَكم وهاتفةً بأسمائكم وفي الجبهات والمتارس جعلوا من أرواحهم لتكون رخيصة ورصيدًا لكم ولمشروعهم الذي ظنوا أنكم قادته، ظنًّا منهم أنَّكم تحملونَ همَّهم وتسعونَ لخلاصِهم، فإذا بكم تبيعونَ أحلامَهم في أسواقِ المساومات، وتقايضونَ على قضيتِهم في غرفٍ مغلقةٍ لا يدخلُها إلا من كانَ على استعدادٍ لأن يقدِّمَ على مذبحِ التفاوضِ كلَّ شيء، حتى وإن كانَ الثمنُ دمَ الشهداءِ ودموعَ الثكالى وآلامَ المهجَّرين.
وإنَّ في هذه الحكايةِ لعبرةً لكلِّ من يظنُّ أنَّ الصوتَ العالي دليلُ صدقٍ، وأنَّ الشعارَ الملتهبَ برهانُ وفاء، فإنَّ الحقيقةَ لا تُعرَفُ بالضجيج، ولا تُوزَنُ بمقاييسِ الديسيبل، بل تُعرَفُ بثباتِ المواقفِ عندَ الشدائد، وصدقِ النوايا عندَ تقاطعِ المصالح، والوفاءِ للمبادئِ حين يكونُ الثمنُ باهظًا والتضحيةُ عظيمة. وإنَّ أشدَّ ما يُؤلمُ في هذه المشاهدِ ليسَ سقوطَهم كأشخاص، فالأشخاصُ يذهبونَ وتبقى قضية شعب الجنوب، ممثلها المجلس الانتقالي ومفوضها الرئيس الزبيدي ولكنَّ الأشدَّ إيلامًا هو ذلك التشويشُ الذي يُحدثُه هؤلاء الساقطونَ اليوم في وعيِ الشعب عبر إعلام وقنوات ومنصات دولة ضربت قواتهم وأقصت قيادتهم ودمرت مجتمعهم ومزقت لحمتهم، حتى اختلطُ عندَها الحقُّ بالباطل، والصدقُ بالكذب، والوطنيُّ بالمتاجر، فيصبحُ المرءُ في حيرةٍ من أمره، لا يدري أيَّ الأصواتِ يصدِّق، وأيَّ الوجوهِ يأتمن، وأيَّ الطرقِ يسلك.
ولكنْ، ورغمَ كلِّ هذا العبثِ، فإنَّ للجنوب حرَّاسًا لا ينامون، ولقضيةِ الشعب رجالًا عاهدوا رئيسهم عهد الرجال للرجال وأصبحوا لا يُساوِمون، وللشعبِ ذاكرةً لا تموت، وما هذه الانتكاساتُ التي حصلت لبعض قيادات المجلس الانتقالي الذي علقوا صور رشاد العليمي في مكاتبهم بدلًا عن صور الرئيس الزبيدي إلا غيومٌ عابرةٌ في سماءِ نضالٍ طويل، وما هؤلاءِ المتقلِّبونَ إلا أوراقُ خريفٍ تتساقطُ مع أولِ هبَّةِ ريح، بينما تبقى الشجرةُ الأمُّ شامخةً بجذورِها الضاربةِ في أعماقِ الأرض، وأغصانِها الممتدَّةِ نحوَ سماءِ الحريةِ والكرامة. وإنَّ التاريخَ لَيُسطِّرُ في صفحاتِه الأولى أسماءَ الخالدينَ الذين وقفوا في وجه العواصفِ كالجبال، كوضاح الحالمي والشيخ النقيب ونصر هرهرة وصالح طاهر وعبد الله مهدي وزيد الجمل وشكري باعلي وخالد الزامكي وسمير الحيد وعلي الجفري والتميمي ولسود بن لحمر العولقي وبقية ما لم تسعفني بهم الذاكرة، كما يُسطِّرُ في صفحاتِه المنسيَّةِ أسماءَ المتقلِّبينَ الذين باعُوا الذممَ واشتروا المناصب، فكانوا عبرةً لمن يعتبر، ومثلًا يُضرَبُ في الخيانةِ والخذلان وشراء الذمم بفلوس الممول الذين كانوا أدواته داخل مجلس الشعب وكيانه السياسي.
وإنَّا لنعلمُ أنَّ القولَ في هذا المقامِ صعبٌ ومؤلم، وأنَّ النطقَ به قد يجرحُ بعضَ النفوس، ولكنَّ الصمتَ في مثلِ هذه المواطنِ خيانةٌ للجنوب وقضيته، والسكوتَ عن الحقِّ تواطؤٌ مع الباطل، والتستُّرَ على الفاسدينَ مشاركةٌ لهم في فسادِهم، ولأنَّنا نحملُ أمانةَ الكلمة، ونعرفُ قدرَ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِنا، فإنَّنا نقولُها صريحةً مدوِّيةً كما يجبُ أن تُقال: إنَّ الجنوب ليس صفقةً تُعقَدُ في الغرفِ المغلقة، وإنَّ قضيةَ شعب الجنوب ليست سلعةً تُساومُ في أسواقِ السياسة، وإنَّ إرادة الشعبَ ليست قطيعًا يُساقُ خلفَ كلِّ راعٍ جائع، وإن التفويض للرئيس ليس نفاقّا وإنَّ التاريخَ ليس دفترَ نسيانٍ تمحَى منه صفحاتُ الخيانةِ متى شاءَ الخائنون، وسيبقى الجنوبُ عصيًّا على الكسر، أبيًّا على الضيم، وستبقى قضيتُه السياسية الجنوبية خالدةً في ضميرِ أبنائِها الأوفياء، مهما تكالبَ عليها الطامعون، وتقلَّبَ عليها المنافقون، وتخلَّى عنها الجبناء.