#صحافة اليوم بين مطرقة الخوارزميات وسندان الحقيقة

صالح الضالعي
لم تعد الصحافة اليوم مجرد حبر يُطبع على ورق يُوزع مع ساعات الصباح الأولى، بل تحولت إلى دفقات رقمية لا تتوقف على مدار الساعة. تعيش “صاحبة الجلالة” اليوم المخاض الأكثر عمقاً في تاريخها؛ مخاضاً يعيد تشكيل هويتها، وأدواتها، وعلاقتها بالجمهور في زمن الذكاء الاصطناعي وفوضى المنصات الرقمية.
لقد منحت التكنولوجيا الحديثة للصحافة أجنحة لم تكن تملكها من قبل. أصبح بإمكان الصحفي اليوم الوصول إلى مصادر معلومات لم يكن يحلم بها، وباتت القصص الإنسانية المدعومة بالوسائط المتعددة (الفيديو، البيانات التفاعلية، والبودكاست) تلامس القراء بشكل أسرع وأعمق. وعبر “صحافة المواطن”، تحول كل شخص يحمل هاتفاً ذكياً إلى مراسل محتمل ينقل الحدث من قلب المعاناة أو الفرح.
ومع ذلك، فإن هذا التدفق الهائل للأخبار جاء محاطاً بحقول من الألغام.
التحدي الأكبر الذي تواجهه صحافة اليوم هو الصراع بين **”صناعة الوعي”** و**”صناعة التريند”**. في الوقت الذي تبحث فيه الصحافة المهنية عن الحقيقة والعمق، تفرض خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي منطقاً مغايراً يعتمد على الإثارة وجلب المشاهدات (Clickbait).
هذا الواقع خلق فجوة كبيرة أدت أحياناً إلى تراجع الأجناس الصحفية الرصينة مثل التحقيقات الاستقصائية لصالح أخبار سريعة قد تفتقر إلى الدقة والتحقق.
يدخل الذكاء الاصطناعي المشهد اليوم ليطرح التساؤل الأصعب: هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الصحافة أم يمنحها قدرات جديدة؟
تستطيع الآلات اليوم صياغة تقارير مالية ورياضية في ثوانٍ، وتلخيص آلاف الوثائق بضغطة زر. لكن، ورغم هذه الكفاءة، يبقى الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن استبدال “اللمسة الإنسانية”؛ فهو لا يملك القدرة على التعاطف، ولا يستطيع النزول إلى الميدان لمقابلة أمٍّ مكلومة، ولا يمتلك الشجاعة الأخلاقية لكشف الفساد ومواجهة السلطة.
إن البقاء في العصر الحالي لا يعني الانعزال عن التكنولوجيا، بل ترويضها لصالح المهنة. تحتاج الصحافة اليوم إلى:
التركيز على دقة المعلومة والتحقق من الأخبار المزيفة التي تنتشر كالنار في الهشيم.
التركيز على الإنسان كأصل لكل رواية صحفية، والابتعاد عن مجرد رصد الأرقام الجافة.
الاعتماد على اشتراكات القراء ودعم المحتوى المستقل لتقليل الارتباط بأجندات الإعلانات الموجهة
لن تنقذ أحدث التقنيات صحافةً فقدت روحها وأخلاقياتها. صحافة اليوم، لكي تظل سلطة رابعة حقيقية، عليها أن تتذكر دائماً أن مهمتها الأولى والأخيرة هي خدمة الإنسان وتنوير العقول، مهما تغيرت الوسائل وتبدلت الأدوات