حصاد الفشل الاستراتيجي.. ما أهمية إعادة تقييم إدارة السعودية للملف الجنوبي واليمني؟

بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي والتحولات المتسارعة، بات من الضروري والمستعجل إجراء مراجعة شاملة وتقييم موضوعي وصريح للسياسات التي تنتهجها السعودية في إدارة الملفين الجنوبي واليمني.
استمرار الجمود الحالي وتدهور الأوضاع لا يتطلب مجرد مسكنات سياسية، بل يستدعي وقفة جادة لتقييم نتائج هذه السياسات وتأثيراتها العميقة على الأمن والاستقرار الإقليميين، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على مستقبل العملية السياسية برمتها؛ إذ أثبتت الوقائع أن المقاربات التقليدية لترتيبات الأمن المبتورة لم تعد صالحة لمواجهة التحديات الراهنة.
أولى خطوات هذا التقييم الموضوعي تبدأ من الاعتراف بحقيقة واضحة للعيان؛ وهي أن السياسة السعودية، عبر مسارات التهدئة والتفاهمات المنفردة، هي التي أسهمت بشكل مباشر في تضخيم مليشيا الحوثي الإرهابية وتحويلها من جماعة متمردة محاصرة إلى سلطة أمر واقع تفرض شروطها.
فمن خلال تقديم التنازلات السياسية والاقتصادية المتتالية، ومنح المليشيات مختلف المغريات تحت لافتة البحث عن سلام وهمي، منحت الرياض هذه المليشيات قيمة سياسية وشرعية تفاوضية غير مستحقة، مما شجعها على التمادي في غيها وابتزاز المنطقة والعالم، وتهديد خطوط الملاحة الدولية من مركز قوة زائف طُبخ في أروقة الصفقات المشبوهة.
وفي المقابل، أحدثت هذه السياسات أضرارًا بالغة ومجحفة بحق القوى الحقيقية المناهضة للمشروع الإيراني على الأرض، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية.
ففي الوقت الذي كان فيه الحليف الجنوبي يقدم التضحيات الجسيمة ويحمي خاصرة المملكة ويجفف منابع الإرهاب، واجه سياسات تضييق وحصار خدماتي واقتصادي هدفت إلى إضعاف موقفه، وشرذمة جبهته عبر تفريخ كيانات كرتونية موازية لا تعبر عن الإرادة الشعبية الحية.
هذا الخلل الاستراتيجي في تصنيف الحلفاء والخصوم أضعف جبهة المواجهة الشاملة، وخلق حالة من عدم الاستقرار في محافظات الجنوب.
بناءً على ذلك، يطالب الساسة والمراقبون اليوم بتبني استراتيجية جديدة تتجاوز أخطاء الماضي وتستند إلى القراءة الواقعية لموازين القوى على الأرض. فأي عملية سياسية مستقبلية لن يكتب لها النجاح ما لم تنطلق من احترام إرادة شعب الجنوب وحقه المشروع في استعادة دولته، والكف عن استخدام تضحياته كأوراق مساومة في صفقات إقليمية عابرة.
وعي الشعب الجنوبي وحنكة قيادته السياسية يظلان الصخرة الصلبة التي ستتحطم عليها كل مشاريع الالتفاف، مؤكدين أن السلام الدائم لا يصنع بالتنازل للإرهاب، بل بتمكين الحلفاء الصادقين على الأرض.