اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أيُّ وجعٍ هذا الذي نزل على أرض الجنوب؟!

فاطمة اليزيدي

لم يكن الجنوب بالنسبة لأبنائه مجرد بقعةٍ على الخريطة، بل كان الحلم الذي يسكن الذاكرة، ورائحة الأرض بعد المطر، وصوت البحر حين يحتضن الشاطئ، ودفء البيوت التي كانت تفتح أبوابها قبل قلوبها. كان الجنوب وطنًا ينام الناس فيه وهم مطمئنون أن صباحهم سيأتي كما اعتادوا، يحمل الأمل والعمل والابتسامة.

لكن… ماذا جرى؟

أي ريحٍ سوداء مرت على هذه الأرض حتى تغيرت ملامحها؟ وأي زمنٍ هذا الذي جعل الإنسان يخشى الطريق الذي كان يسير فيه آمناً؟ كيف تحولت الأخبار اليومية إلى قوائم من الاغتيالات، والانتهاكات، والخوف، والقلق، حتى أصبح المواطن يستيقظ وهو يتساءل: من التالي؟ وأين ستكون الضربة القادمة؟

لقد أصبحت الأسئلة أكثر من الإجابات، والوجع أكبر من الكلمات.

لم نكن نقرأ في القصص إلا عن أوطانٍ مزقتها الفوضى، وعن مدنٍ كانت تستيقظ على أصوات الرصاص، وعن شعوبٍ أنهكها الخوف حتى صار جزءًا من حياتها. كنا نشاهد تلك المشاهد في الأفلام ونقول: الحمد لله أن بلادنا بعيدة عن هذا المصير.

لكننا اليوم نقف مذهولين، وكأن صفحات تلك الروايات خرجت من الكتب لتكتب نفسها فوق تراب الجنوب.

أصبحت الاغتيالات خبرًا يتكرر حتى فقد الناس قدرتهم على الدهشة. وأصبحت الجرائم والانتهاكات تترك في كل بيت جرحًا جديدًا ، وفي كل أسرة خوفًا جديدًا، وفي كل طفل سؤالًا لا يجد له أحد جوابًا.

ثم جاءت الهجمات الإلكترونية لتضيف بعدًا آخر من القلق، حتى لم يعد الخوف مقتصرًا على الشارع، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، وإلى المؤسسات والخدمات، ليشعر المواطن أن التهديد يلاحقه في كل مكان.

أي وطنٍ هذا الذي صار أبناؤه يحسبون خطواتهم قبل أن يخرجوا من منازلهم؟

وأي حياةٍ هذه التي أصبح فيها خبر الموت أسرع من خبر الحياة؟

أي ذنبٍ ارتكبته هذه الأرض الطاهرة حتى تُثقل بكل هذا الألم؟

الجنوب لم يكن يومًا عاشقًا للفوضى، ولم يكن أبناؤه يتمنون سوى أن يعيشوا بكرامة، وأن يكبر أطفالهم في مدارس آمنة، وأن يعود الآباء إلى بيوتهم دون خوف، وأن تبقى الأمهات مطمئنات على فلذات أكبادهن.

لكن السنوات الأخيرة تركت ندوبًا عميقة في النفوس، وجعلت الناس يشعرون أن الطمأنينة أصبحت ضيفًا نادرًا ، وأن الأمن الذي كان حقًا طبيعيًا أصبح حلمًا يتمنونه في كل صباح.

إن أكثر ما يؤلم ليس فقط كثرة المآسي، بل اعتياد الناس عليها. أن يصبح الخبر المؤلم عاديًا ، وأن تتحول الفاجعة إلى رقم جديد في سلسلة طويلة من الأحزان. وهذه هي الخسارة الأكبر، لأن الأوطان لا تُرهقها الجراح وحدها، بل يرهقها أيضًا اعتياد الألم.

ورغم كل ذلك، يبقى الجنوب أكبر من أزماته، وأوسع من جراحه، وأقوى من كل محاولة لسرقة روحه. فالأرض التي أنجبت رجالًا ونساًء صبروا على الشدائد، قادرة على أن تستعيد أمنها واستقرارها متى توفرت إرادة صادقة لحماية الإنسان وصون كرامته وإعلاء سيادة القانون.

سيبقى السؤال معلقًا في السماء، يردده كل قلبٍ موجوع:

ما الذي جرى في أرضي؟

من الذي سرق ضحكة الأطفال؟

من الذي جعل الأمهات يودعن أبناءهن بقلق كل صباح؟

من الذي حول الطمأنينة إلى أمنية؟

ومن الذي أقنع هذا الوطن بأن الحزن يجب أن يكون رفيقه الدائم؟

سيأتي يوم تُكتب فيه هذه المرحلة بوصفها درسًا قاسيًا من تاريخ الجنوب، لا قدرًا أبديًا. وسيظل أبناء الجنوب، مهما اشتدت المحن، يحملون في قلوبهم أملًا بأن تعود أرضهم كما عرفوها: أرضًا للحياة، لا للخوف، وللأمان، لا للفزع، وللمستقبل، لا للأحزان.

فالجنوب يستحق أن يعيش، وأهله يستحقون أن يناموا دون خوف، وأن يستيقظوا على صوت الحياة، لا على أخبار الفواجع.

زر الذهاب إلى الأعلى