اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

خاشقجي لم يمت.. قصة هروب ولي العرش السعودي من ظلّ قاضٍ فرنسي

النقابي الجنوبي/خاص

في مشهد يختزل مفارقة تاريخية، بينما كانت طائرات قادة العالم تتجه إلى مدينة إيفيان الفرنسية للمشاركة في قمة مجموعة السبع بين 15 و17 يونيو، كان اتجاه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان معاكساً تماماً. ففي 12 يونيو، اعتذر ولي العهد رسمياً عن عدم الحضور، مبرراً ذلك بـ”ارتباطات مسبقة”. غير أن التوقيت كشف عن حقيقة أخرى: لم يكن غيابه مجرد فراغ في أجندة دبلوماسية، بل كان هروباً حقيقياً من ظلّ قاضٍ فرنسي بدأ للتو في التمدد خلفه.

ففي 16 مايو 2026، عيّن مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا قاضياً من وحدة الجرائم ضد الإنسانية للتحقيق في مقتل الصحافي جمال خاشقجي. وجاء هذا التعيين بعد أيام فقط من حكم قضائي حاسم أصدرته محكمة الاستئناف في باريس بتاريخ 11 مايو 2026، بقبول الشكاوى المقدمة من منظمتي “تريال إنترناشونال” و”مراسلون بلا حدود”. وتشمل التحقيقات تهم “التعذيب” و”الاختفاء القسري”.

وكانت المنظمات الحقوقية قدمت شكواها لأول مرة في يوليو 2022، بالتزامن مع زيارة رسمية لولي العهد إلى باريس، لكن النيابة العامة ظلت تعارض فتح الملف لسنوات قبل أن تحسم محكمة الاستئناف الموقف لصالحها.

فلماذا يُعتبر هذا التعيين بمثابة “ظلّ” يطارد ولي العرش ويمنعه من الوصول إلى فرنسا؟

في القانون الفرنسي ما يكفي من الحدة ليحوّل الضيف المدعو إلى متهم محتمل. فالنيابة هناك لا تحتاج إلى أمر ملكي لتفتح ملفاً، بل يكفيها قاضٍ واحد وقضية موقّعة. لكنّ المفارقة أن هذا القانون، الذي يسمح بملاحقة جرائم خارج الحدود، يظل عاجزاً عن تحريك يديه إلا إذا وطأت قدم المتهم أرض فرنسا. وهنا يكمن الكمين: فبمجرد أن أصبح للقضية قاضٍ في باريس، تحولت العاصمة الفرنسية في حسابات الرياض من منصة احتفاء سياسي إلى أرض محظورة. فالقاضي المخوّل يستطيع استجوابه، وكفى بتهم التعذيب والاختفاء القسري – التي قد تودي بصاحبها إلى السجن المؤبد – لتجعل من حلم القمة كابوساً قضائياً.

وفي تطور يعكس مدى جدية الموقف، كانت فرنسا قد فرضت في 6 يونيو 2026 عقوبات على 18 مواطناً سعودياً مرتبطين بالقضية، شملت حظر دخولهم الأراضي الفرنسية ومنطقة شنغن. وهي خطوة جاءت قبل أيام من اعتذار بن سلمان عن الحضور، لتؤكد أن باريس لن تتهاون في الملف.

أما جمال خاشقجي، الذي قُتل وقطعت أوصاله على يد عملاء سعوديين في القنصلية السعودية بإسطنبول في أكتوبر 2018، في عملية خلصت المخابرات الأميركية إلى أنها تمَّت بأمر من ولي العهد، فقد أثبت أنه لم يمت حقاً. فبينما غاب الجسد عن الحياة، ظلّت قضيته حية تتنفس في أروقة العدالة، تحاصر العرش وتُبعد صاحبه عن أضواء القمة الدولية. لقد حوّلت ذكراه وإرثه القانوني حضور قادة العالم في إيفيان إلى تذكير دائم بأن العدالة بطيئة لكنها قادرة على تحويل أقوى العروش إلى مجرد هاربين من خيال قاضٍ، ومن ظلّ قضية لم تمت.

زر الذهاب إلى الأعلى