#جاسوسان_ في_ سلطنة_عمان

#جاسوسان_ في_ سلطنة_عمان
.قصة قصيرة من الأدب الواقعي
محمد عباس ناجي الضالعي
في فترة كانت فيها العلاقات بين حكومتي عدن ومسقط تشهد توترات كبيرة، بسبب الدعم الجوي الإيراني والبريطاني للجيش العُماني الذي يسيطر على المرتفعات المطلة على المناطق الحدودية التابعة لحكومة عدن في المهرة، وقصفها بين الفينة والأخرى، مما أدى إلى إلحاق أضرار بالغة فيها وتشريد سكانها.
وضع جعل حكومة عدن تقرر التحضير للقيام بعمل عسكري كبير ومنظم..عززت الجبهة بقوات بشرية كبيرة، أسلحة حديثة لأول مرة تستخدمها، أمرت قيادة المحور المتمركز في المنطقة أن يجري استطلاع ومراقبة دقيقة لمواقع الطرف المعادي.
على الفور عقدت قيادة المحور اجتماعاً لمناقشة سبل تنفيذ الأوامر العليا.. أول مشكلة مثلت أمامها أن طبيعة المنطقة التي يتمركز فيها العدو جبلية، كثيفة الغطاء النباتي، لا توجد لها خرائط دقيقة، من الصعب على رجال الاستخبارات والاستطلاع صعودها ومعرفة طرق السير فيها، أجسامهم أصبحت مترهلة، لم يسبق لهم تنفيذ مهام خلف خطوط العدو.
أنتاب قائد المحور إحباط كبير، أحس أنه بحاجة إلى الراحة، رفع الاجتماع، ولج إلى مكتبه الخالي من أي أثاث، سوى طاولة صغيرة وكرسي، سرير نومه، أستلقى على السرير وهو مرتدياً لملابسه العسكرية، غشاه النعاس، استيقظ قبل زوال الشمس بقليل، أُحُضر له طعام الغداء، أبى تناوله، باله مشغول في المشكلة الماثلة أمامه، سار داخل حرم المعسكر، رأى مجموعة من الضباط والجنود يلعبون كرة الطائرة، لفتت انتباهه لياقة أحد اللاعبين، قدرته على الوثوب إلى الأعلى، توجيه ضربات قوية للفريق الآخر، لا يعرف عنه معلومات كثيرة، طلب بصورة سرية وسريعة من مدير مكتبه معلومات عن ذلك اللاعب.
خلال ساعات قليلة تلى مدير مكتبه عليه المعلومات عنه:
_ شوقي حسين البكري.. تخرج من الكلية العسكرية منذ أكثر من سنة، تخصص اتصالات، عازب، يعد نفسه للزواج، هاوياً للعبة كرة الطائرة … و… و…
قاطعه قائد المحور:
_ يكفي.. أريدك أن تستدعي ركن تدريب المحور.
_ حاضر.
مثل ركن التدريب أمامه:
_ أريدك منك يوم غداً أن تعلن أنه بناء على أوامر وزارة الدفاع سنجرى مسابقة للركض وتسلق الجبال بين ضباط وأفراد المحور، بما يمكننا من معرفة من سيمثلون المحور في هاتين المسابقتين على مستوى القوات المسلحة.
_ عفوا أخي القائد.. لكن في البرنامج الوزاري السنوي على حد علمي لا توجد إشارة لمثل هذه المسابقة.
_ وصلت التعليمات إلي مباشرة.. معذرة نسيتُ أبلغك بها.
في مسابقة الجري أحتل الجندي سالم عبدالله، المرتبة الأولى، الضابط شوقي، المرتبة الثانية.. أمر قائد المحور بإجراء مسابقة بين العشرة الأوائل في الجري على تسلق الجبال، أحتل الضابط شوقي، المرتبة الأولى، الجندي سالم، أحتل المرتبة الثانية.. أبتهج قائد المحور، أعلن أن الضابط شوقي والجندي سالم سيتوجهان إلى العاصمة عدن للمشاركة كممثلان للمحور في رياضة الجري وتسلق الجبال.
أستدعاهما إلى مكتبه، أبلغهما أنه تكريماً لهما سيقلهما هو شخصياً إلى مطار الغيضة.. سار بهما عدة كيلومترات، أوقف السيارة:
_ أود أن أقول لكما شيء هام.
_ ما هو؟
_ أنتما لن تذهبا إلى عدن.
_ إلى أين سنذهب؟
_ ستذهبان في مهمة عظيمة يحتاجها الوطن.. هل لديكما استعداد لذلك؟
_ بكل تأكيد.. ما هي؟
_ حسناً.. سنذهب إلى منزل خال من السكان، يقع بالقرب من البحر.. هناك سأشرح لكما المهمة.
_ حسناً.
شرح لهما المهمة التي سيقومان بها، مسارها، الوسائل التي ستكون بحوزتهما، الملابس التي سيرتديانها، المعلومات التي ينبغي عليهما الحصول عليها، ماذا سيقولان بعد عودتهما لزملائهما في المحور عن فترة غيابهما.
لبث ومعه خبير روسي عدة أيام يقومان بتدريب الجاسوسان.. في كل مساء يعود قائد المحور إلى معسكره حتى لا يلفت غيابه نظر مرؤوسيه ويكتشفون ما يقوم به.. أجرى لهما أختبارات نظرية وعملية متكررة، نجحا فيها بتفوق، سلم لكل واحد منهما بندقية جديدة ووحدة نارية، كمية من المواد الغذائية المعلبة، مبالغ مالية بالعملة المحلية والعملة العُمانية، حدد لهما ساعة الصفر لبدء مهمتهما، ودعهما بعناق أبوي حار، قال:
_ تذكرا أن مهمتكما هي مهمة وطنية عظيمة.. مهمة لا تقبل إلا النجاح.
_ إن شاء الله سنكون عند مستوى حسن ظن الوطن بنا.
في يوم الاثنين بعد أن أسدل الليل سواده القاتم غادر الجاسوسان المنزل الذي يقطناه إلى ساحل البحر، وجدا أمامهما صياد مع قاربه، مهمته إيصالهما إلى الموقع الذي سيبدأن المهمة منه.. بدأ الصياد يقود قاربه، قبل أن يقترب من الوصول إلى نهاية مهمته وجدا نفسه يبحر في منطقة صخرية، أمواجها عاتية ومرتفعة، كادت تطيح بالقارب عدة مرات، حوض القارب شبه ممتلئ بالمياه، أمرهما بالتشبث بالقارب.. بغتة مكينة القارب توقفت عن العمل، المسافة ليست بعيدة كثيراً عن الجبل الذي يقصد الوصول إلى أسفله، استخدم المجدافين الخاصين بالقارب للوصول إلى عرض الجبل.. حمدوا الله على نجاتهم، ودعهما الصياد، عاد من حيث أتى
عتمة الليل ماتزال سوداء، نظرا الجاسوسان إلى الجبل، شاهق الارتفاع، أملس السطح، عليهما صعوده سريعاً، بدأا في تسلقه، جابتهما صعوبات جمة، وصلا قمته قبل بزوغ الفجر، النصب نال منهما، أختفيا بين الأشجار الكثيفة، عيونهما تبحث عن أي تحركات بشرية، لم يرصدا شيء، اتفقا على تناول طعامهما، بدأا يسيران بحذر نحو المنطقة التي تتواجد فيها مواقع معادية.. بغتة شاهدا أغنام وجمال ترتع بين الأشجار، توقفا عن السير، لبثا مختبئان، رأيا شابة سمراء جميلة، ترتدي مئزاً رجالياً، أشبه بالمئزران اللذان يرتديانهما، أدركا إنها من سكان منطقة ظفار.
بعد أن ولت الشابة بعيداً، واصلا سيرهما، بين مسافة وأخرى يعثرا في طرقهما على ثعبان صغير أو كبير، يبتعدا عنه، قررا أن يباتا ليلتهما في الغابة، تناولا عشائهما، ظلا مستيقظان.
قبل أن يرسل الصباح شعاعه الأحمر بدأا يسيران بحذر بين أشجار الجبل، تمكنا من رؤية المواقع المعادية
أقتربا منها كثيراً، تراجعا إلى الخلف، فتحا الخارطة، قاما بتشغيل جهاز الاتصال الخاص بهما، أرسلا رسالة إلى قائد المحور:
_ وصلنا إلى الهدف.. يقع في المربعات رقم… ورقم… ورقم….قوته تتكون من … و… و…
جاء الرد:
_ أحسنتما.. غداً الساعة الرابعة صباحاً شغلا جهازكما.
لبثا نهارهما مختبئان يراقبان اوضاع العدو.. باتا ليلهما مستيقظان.. تحت جنح الظلام بدأت وحدات المشاة المكلفة بالهجوم بالصعود سراً إلى ما دون قمة الجبل حتى لا يرها العدو.. السيارات التي تحمل الأسلحة المساندة توقفت في منتصف الجبل.. الدبابات بقت في أسفل الجبل كونها غير قادرة على صعوده، مهمتها المشاركة في القصف على مواقع العدو.
في الساعة الخامسة صباحاً استلم الجاسوسان رسالة:
_ راقبا أول ثلاث طلقات هل ستصيب أهدافها ؟
أتاه الرد منهما:
_ أصابت أهدافها.
_ عُلم.. إنسحبا.
بدأ القصف المدفعي المكثف على مواقع العدو.. أمرت قيادات الوحدات ضباطها وجنودها بالصعود إلى قمة الجبل، مهاجمة مواقع العدو، لحقت بهم السيارات الخفيفة الحاملة للأسلحة المساندة، تمكن المهاجمون من تحرير عدة كيلو مترات من الجبل..كعادته الطيران الإيراني والبريطاني المساند لقوات مسقط بدأ بقصف المهاجمين لاجبارهم على الانسحاب، تشبثوا في مواقعهم غير آبهين بالموت..
الرقيب أول عبدالقوي محمد سعيد، كان قد تدرب على صاروخ استرلا الحديث، وقف على قدميه بثبات، رفع الصاروخ على كتفه، أطلقه باتجاه الطائرة، تمكن من إصابتها، تبسم فرحاً، شاهد الطيار وهو يقفز من الطائرة بمظلته، وقع الطيار في الأسر، جنسيته إيرانية
حاولت طائرة أخرى قصف القوات المهاجمة، تمكن المقاتل صالح مهدي من إصابتها بصاروخ، شاهدها وهي تحترق، قائدها طيار بريطاني.. حاول الطرف الآخر الزج بقواته لإستعادة ما فقدته من مواقع، خسرت المعركة، وجد نفسه مجبراً على القبول بالامر الواقع على الأرض.
منحت وزارة الدفاع في عدن المقاتلين: عبدالقوي، مهدي، شوقي، سالم، الشهداء والجرحى، رتب إستثنائية، وأوسمة رفيعة