حقروص يكتب: حين تتحول الشائعة إلى أداة هدم

صالح حقروص
لم تعد الشائعة في زمننا مجرد خبر عابر يُتداول على عجل ثم يختفي، بل تحولت إلى سلاح ناعم يُستخدم بوعي أو بغير وعي لضرب استقرار المجتمعات وإرباك أمنها النفسي.
وما نشهده من ترويج لأخبار مفبركة ومضللة، خاصة تلك التي تمس سلامة المواطنين، يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام اجتهادات فردية طائشة، أم أن هناك من يقف خلف هذه الحملات ويوجهها؟
من الصعب تصديق أن هذا الكم من الشائعات، بهذا التوقيت وبهذه الحساسية، يأتي محض صدفة.
فثمة نمط متكرر يوحي بأن هناك من يتعمد صناعة الخبر الكاذب، ثم يدفع به إلى فضاء التواصل ليكبر ويتضخم، مستفيداً من سرعة الانتشار وضعف التحقق. إنها عملية ممنهجة تستهدف بث الخوف، وإضعاف الثقة، وخلق فجوة بين المواطن ومصادره الرسمية.
الخطير في الأمر ليس فقط في الشائعة ذاتها، بل في أثرها التراكمي.
فكل خبر كاذب يُنشر يترك ندبة في وعي المجتمع، ويُسهم في خلق بيئة مشحونة بالقلق والريبة. ومع تكرار ذلك، يصبح من السهل التشكيك في كل شيء، حتى في الحقائق الواضحة، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً للنسيج الاجتماعي.
لكن في المقابل، تبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير، ويظل وعي الناس هو الحصن الأقوى. فالمجتمعات التي تدرك خطورة الشائعة، وترفض الانجرار خلفها، تُفشل كل محاولات التضليل مهما كانت منظمة. وهنا تبرز المسؤولية المشتركة؛ مسؤولية الفرد في التحقق قبل النشر، ومسؤولية المؤسسات في الشفافية وسرعة توضيح الحقائق.
إن مواجهة الشائعات لا تكون فقط بنفيها، بل بكشف أهدافها وفضح من يقفون خلفها، أياً كانت دوافعهم. فالمعركة اليوم ليست فقط على المعلومة، بل على وعي المجتمع نفسه. وبين حقيقة تُبنى وشائعة تُصنع، يبقى الرهان دائماً على عقلٍ واعٍ لا يُخدع، وصوتٍ صادق لا ينجرف.