اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

تحت الحصار.. واشنطن تفاوض إيران على تفكيك قدراتها النووية مع اقتراب انتهاء الهدنة

النقابي الجنوبي/تقرير/خاص

عندما غادر الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس العاصمة الباكستانية إسلام آباد فجر الأحد الماضي، كان المفاوضون الإيرانيون في أجنحتهم بالفندق نفسه لا يزالون يعتقدون أنهم باتوا على وشك إبرام تفاهم أولي. لكن المؤتمر الصحافي الذي عقده فانس قبل إقلاع طائرته قلب المشهد رأساً على عقب: لم يشر المسؤول الأميركي إلى أي تقدم، بل ألقى باللوم على طهران وأعلن نهاية الجولة. “كان الإيرانيون غاضبين جداً”

هذا المشهد يختزل جوهر الأزمة: هل تعثّر الاتفاق النووي بسبب فجوة تقنية في عدد سنوات التخصيب، أم أن المسألة أعمق من ذلك، وترتبط بصراع إرادات ومعضلة “ماذا سنفعل باليورانيوم المخصب الموجود أصلاً”؟

شروط أميركية: سقف مرتفع.. والمخزون أولاً

دخلت المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، التي عُقدت في إسلام آباد برعاية وسطاء إقليميين، وهي محمّلة بشروط أميركية صعبة التجاوز. المقترح الأبرز كان وقف تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى 20 عاماً، ضمن حزمة قيود أوسع.

هذا الرقم وحده يكشف طبيعة المقاربة الأميركية. لا حديث عن تهدئة مؤقتة، بل محاولة لإعادة ضبط البرنامج النووي الإيراني لجيل كامل. وتشير المعطيات التي نقلها موقع “أكسيوس” عن مسؤول أميركي ومصدر مطلع إلى أن واشنطن لم تكتفِ بذلك، بل طلبت أيضاً إخراج كامل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من داخل إيران.

أحد المصادر المطلعة لخّص الطرح بقوله: “الولايات المتحدة اقترحت مدة لا تقل عن 20 عاماً، مع مجموعة واسعة من القيود الأخرى.”

بهذا المعنى، لم يكن الخلاف تفصيلياً حول عدد السنوات فقط. كان خلافاً على شكل الاتفاق نفسه: هل يتم تفكيك “وقود القنبلة” المحتمل وإخراجه من البلاد، أم يبقى تحت السيطرة الإيرانية؟

رد إيراني: “الخفض المراقب” بدلاً من الإزالة الكاملة

الرد الإيراني جاء أقل حدة مما قد يُتوقع، لكنه لم يقترب من السقف الأميركي. طهران طرحت فترة أقصر، أقل من عشر سنوات، بدلاً من العشرين. والأهم من ذلك، أنها أبدت استعداداً لخفض نسبة التخصيب تحت رقابة دولية، لا إيقافه بالكامل ولا التخلي عن المخزون.

هذا الفارق يبدو رقمياً في الظاهر، لكنه يعكس اختلافاً جوهرياً في العقيدة الاستراتيجية. إيران لا تريد التنازل عن “بذرة” قدرتها النووية، حتى لو قبلت بتقييدها مؤقتاً. إخراج المخزون يعني خسارة ورقة الردع الأساسية؛ أما خفض نسبته تحت الرقابة فيعني تجميده لا مصادرته.

ووفق المصادر، فإن الطرح الإيراني تمثل في: “عملية خاضعة للرقابة لخفض نسبة التخصيب.”

عضو البرلمان الإيراني سيد محمود نبويان، المشارك في فريق التفاوض، وضع المسألة بوضوح أكبر: “مطلبان للولايات المتحدة حالا دون التوصل إلى اتفاق.”

هنا تتضح نقطة التعثر الحقيقية: كل طرف يتعامل مع التخصيب والمخزون كخط أحمر، لكن من زاويتين مختلفتين تماماً.

الضغط العسكري: رسالة تتجاوز طاولة التفاوض

بينما كانت المفاوضات تتعثر في غرف إسلام آباد المغلقة، تحركت واشنطن في اتجاه آخر موازٍ وأكثر ضجيجاً. الحصار دخل حيّز التنفيذ رسمياً، وانتشر أكثر من 15 سفينة حربية أميركية في المنطقة، مع فرض قيود مشددة على الملاحة في مضيق هرمز.

هذه ليست مجرد خطوة عسكرية لوجستية. إنها رسالة استراتيجية تقول: أنتم تتفاوضون تحت فوهة المدفع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبّر عنها بصيغة مباشرة ونارية، حين قال إن بلاده “ستقضي فوراً على سفن الهجوم السريع الإيرانية إذا اقتربت من نطاق الحصار”، مضيفاً أن ذلك سيتم بأسلوب “سريع ووحشي” يشبه ما يُطبق ضد تجار المخدرات في عرض البحر.

التصعيد هنا لا يلغي التفاوض، لكنه يعيد تشكيل ميزان القوى داخله. الضغط لم يعد دبلوماسياً فقط، بل ميداني أيضاً.

ورغم ذلك، لم تُغلق قنوات الاتصال. مسؤول أميركي أكد أن: “هناك تواصلًا مستمرًا… وهناك تقدم نحو محاولة التوصل إلى اتفاق.”

تناقض ظاهري، لكنه يعكس طبيعة المرحلة: تفاوض تحت الحصار، حيث تُقدّم التنازلات على وقع هدير المدمرات.

الوسطاء: محاولة إبقاء المسار حياً

في الخلفية، تعمل أطراف عدة على منع انهيار المسار بالكامل. باكستان، مصر، وتركيا تحاول تقريب وجهات النظر، في وقت تضيق فيه مساحة المناورة قبل موعد انتهاء الهدنة في 21 أبريل.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قدّم قراءة هادئة للمشهد، قال فيها: “المواقف الأولية تكون عادة متشددة… ثم يحاول الأطراف لاحقاً إيجاد أرضية مشتركة بدعم من الوسطاء.”

وأضاف محذراً: “إذا تحولت القضية النووية إلى معادلة (إما الكل أو لا شيء)، خاصة فيما يتعلق بالتخصيب، فأعتقد أننا قد نواجه عقبة خطيرة.”

الوساطة إذن تتحرك في مساحة ضيقة: بين رغبة معلنة في الاتفاق، وتمسك فعلي بشروط متعارضة. ويتوقع فيدان أن تُقيّم إيران المقترح الأميركي وتقدم ردها خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى إمكانية تمديد الهدنة لمدة تتراوح بين 45 و60 يوماً لشراء الوقت.

إلى أين تتجه الأمور؟

المشهد الحالي يفتح عدة احتمالات، لكن أياً منها ليس سهلاً.

السيناريو الأول يتمثل في اتفاق جزئي، يخفف التوتر دون أن يحسم الخلاف. هذا الخيار يبدو الأكثر قابلية للتحقق، لأنه لا يفرض تنازلات كبرى على أي طرف بشأن “المسألة الصفرية”: إزالة المخزون.

السيناريو الثاني هو تمديد المفاوضات. الحديث عن إطالة الهدنة لأسابيع إضافية يعكس إدراكاً بأن الوقت لم ينضج بعد لاتفاق نهائي، وأن الطرفين يريدان تجنب الانزلاق إلى الهاوية.

أما السيناريو الثالث، فهو الأكثر حساسية وخطورة: انهيار المسار بالكامل. ومع وجود تصعيد عسكري قائم وأسطول يفرض حصاراً على مضيق هرمز، فإن هذا الاحتمال ليس نظرياً. أي احتكاك عسكري غير محسوب في المياه الإقليمية قد يُطيح بكل ما بناه الوسطاء.

ومع ذلك، لا تزال نافذة الاتفاق مفتوحة. ترمب أشار إلى أن “الأشخاص المناسبين في إيران… يريدون إبرام صفقة”، في اعتراف ضمني بأن الرغبة لا تزال موجودة لدى الطرفين، رغم التعقيدات والغضب المتبادل.

أزمة تتأجل ولا تُحل

ما يجري ليس فشلاً كاملاً للمفاوضات، ولا تقدمًا حقيقيًا نحو اتفاق. هو حالة بينهما.

الشروط الأميركية المرتفعة، والرد الإيراني الحذر على مصير المخزون، والتصعيد العسكري في مضيق هرمز، وحادثة “غضب فانس” التي كشفت هشاشة الثقة.. كلها عناصر تدفع في اتجاهات متعارضة. أما الوسطاء، فيحاولون إبقاء الخيط رفيعًا لكنه قائم، على أمل أن تُثمر اتصالات “الأشخاص المناسبين” عن اختراق قبل أن تلتهم النيران ما تبقى من مسار دبلوماسي.

النتيجة حتى الآن واضحة: لا اتفاق، ولا انهيار. فقط أزمة مؤجلة، تنتظر لحظة توازن لم تولد بعد.

إعداد:
هشام صويلح

زر الذهاب إلى الأعلى