الجنوب لا يطلب إذنكم… يعلن حقه في الاستعادة

كتب:
هشام صويلح
لماذا «فك الارتباط» ليس تمردًا بل استعادة لدولة اغتصبها النسيان؟
أقرأ تصريحات إخواننا في اليمن عن «الوحدة المقدسة»، وأتأمل كم هي جميلة حين تكون شعارًا، وكم هي ثقيلة حين تتحول إلى وصاية. علي أحمد العمراني، في رده المفصل على أحد المطالبين بحق الجنوب، يقدم نموذجًا رائعًا للخطاب الوحدوي الكلاسيكي: يعترف بالمظالم، لكنه يحرم الحل الوحيد لها. يدعو إلى العدل، لكنه يغلق الباب أمام آلياته. يحب الجنوب… لكن بشرط ألا يغار من قرار نفسه.
ماذا لو كان «فك الارتباط» هو التصحيح وليس الخطأ؟ دعونا نكون صريحين. الوحدة التي يتحدث عنها العمراني لم تكن يومًا شراكة متساوية. كانت سقفًا يُبنى فوق الجنوب دون أن يُستشار حقيقة في تفاصيله. وحين وقعت حرب 1994، لم تكن «صراعًا على السلطة» فقط — كانت إعلانًا بأن الجنوب إما أن يذوب أو يُسحق. والنتيجة؟ دولة مركزية بوجه واحد، ولهجة واحدة، وجيش واحد. اليوم، بعد عقود من المظالم المتراكمة، يُطلب من أبناء الجنوب أن ينسوا هويتهم من أجل «وحدة» لم تحمِ دماءهم ولا كرامتهم.
لكن لنترك العاطفة جانبًا لحظة، وننظر إلى الأمر من زاوية القانون. العمراني يستشهد باتفاقية الوحدة المودعة لدى الأمم المتحدة. جيد. لكنه يتجاهل أن القانون الدولي يعترف بحق الشعوب في تقرير المصير، خاصة حين تثبت التجربة أن الاتحاد تحول إلى هيمنة. فك الارتباط ليس «تمردًا» — إنه حق سياسي وقانوني، استخدمه أكثر من 30 دولة منذ نهاية الحرب الباردة، دون أن ينتهي العالم. لماذا يكون تطبيقه جريمة حين يطلبه الجنوب، ومشروعًا حين تفعله كوسوفو أو جنوب السودان أو بنغلاديش؟
العمراني يعترف بـ«مظالم وتجاوزات» بعد 1994. ويشير إلى فساد وانتهازيين. لكنه يقفز فوق السؤال الأهم: من كان يمسك بزمام الحكم طوال تلك السنوات؟ من كان يوزع الثروة؟ من كان يهمّش الجنوب في القرار؟ الرد الوحدوي التقليدي يقول: «نصلح الوحدة ولا نُفككها». جميل. لكن أين خطة الإصلاح؟ أين الضمانات؟ أين الاعتذار الحقيقي غير المنمّق؟ لا شيء. فقط دعوات عاطفية وتهديدات ضمنية بأن فك الارتباط يعني «التجزئة» و«الفتنة».
أنا لا أكتب هنا بدافع الكراهية لأبناء اليمن. بالعكس. أعرف في اليمن أناسًا طيبين، ظلمهم نظامهم كما ظلمنا. لكن القضية ليست شخصية. القضية أن الجنوب يريد استعادة دولته — دولة كانت قائمة ومعترفًا بها قبل 1990. فك الارتباط يعني: حدود واضحة، جيش وطني جنوبي، قرار سيادي. ليس لقطع الصلة مع مواطن يمني بسيط، بل لضمان ألا يكرر أي نظام مستقبلي ما فعله النظام السابق. إنه علاقة حسن جوار، لا عداءً ولا حصارًا. تصحيح لخطأ تاريخي كلف الجنوبيين دماءً وهوية.
العمراني يقول إنه يتطلع إلى «قادة جنوبيين يحملون راية اليمن كلها». لكننا نقول: راية اليمن التي ترفعونها اليوم لا تمثلنا. هي راية مركزية استوعبت الجنوب ولم تستوعبه. نريد قادة جنوبيين يحملون راية الجنوب أولًا، ويمدون جسور التعاون مع اليمن ثانيًا. ليس بالتبعية، بل بالندية.
الوحدة التي تبقى بالخوف أو الضغط أو التهديد ليست وحدة. هي احتلال ناعم. فك الارتباط ليس حلمًا انتقاميًا، بل هو الاستعادة الهادئة لحق مسلوب. إذا كان العمراني وإخوانه يريدون حقًا يمنًا مستقرًا، فليسمعوا صوت الجنوب كما هو، لا كما يريدونه هم. كثيرًا ما نراهم يتحدثون عن الوحدة كأنها أم فقدت ابنها. نحن لا نطلب إذنهم للرحيل. نطلب منهم فقط ألا يقفوا على بابنا باكين حين نفتحه بأنفسنا.