مضيق هرمز: من نيران الحرب إلى أسعار الخبز.. 7 أيام هزت أسواق الطاقة والغذاء عالميًا

النقابي الجنوبي/ تقرير تحليلي
تراجع الشحن 85% والنفط يقفز لـ90 دولارًا
كيف هدد الصراع سلاسل الإمداد وضرب الأمن الغذائي في أفقر الدول؟
المضيق تحت النار
في الأسبوع الأول من مارس 2026، تحول مضيق هرمز من ممر ملاحي حيوي إلى مسرح للتصعيد العسكري. ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية على إيران، ورد بطهران بصواريخ ومسيرات استهدفت مواقع في الخليج. خلال ساعات، بدأت تداعيات الصراع تنعكس على حركة التجارة العالمية: تراجع حاد في الشحن البحري، اضطراب في الطيران، وتحول المضيق الذي يمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية إلى نقطة اختناق تهدد سلاسل الإمداد من آسيا إلى أوروبا.
الشحن يتراجع 85% والطيران يشل
بين 1 و6 مارس، انهارت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. بيانات تحليلية أظهرت تراجعًا بأكثر من 85% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. شركات الشحن العالمية فضلت تعليق عملياتها أو تحويل مسارها، بسبب المخاوف الأمنية المتصاعدة.
وشهدت المنطقة حالات تعطيل لأنظمة التعريف الآلي في بعض السفن. وفقًا لوكالة “بلومبرج” الأحد 8 مارس، أوقفت ناقلات نفط أجهزة الإرسال والاستقبال أثناء عبورها المنطقة – محاولة لتجنب المخاطر المرتبطة بالتصعيد العسكري. ممارسة تحمي السفن مؤقتًا لكنها تزيد مخاطر الحوادث البحرية وتعقّد جهود تتبع حركة التجارة.
التداعيات امتدت إلى حركة الطيران أيضًا. بحلول منتصف الأسبوع، أُلغي أكثر من 27 ألف رحلة في أنحاء المنطقة. حركة المسافرين والبضائع تعطلت بالكامل. ورغم استئناف بعض الشركات، مثل طيران الإمارات، عملياتها تدريجيًا، فإن الشلل الذي أصاب الشحن الجوي – القناة الأساسية لنقل السلع مرتفعة القيمة أو سريعة التلف كالأغذية والأدوية – وجه ضربة مباشرة لسلاسل التوريد العالمية.
أسواق الطاقة تشتعل
كانت أسواق الطاقة في مقدمة المتضررين من تداعيات الصراع. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان رئيسي تمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، بحسب “رويترز”.
الأسواق ترجمت المخاوف فورًا إلى أرقام قياسية: خام برنت سجل نحو 90 دولارًا للبرميل – المرة الأولى منذ عامين. أسعار الغاز الطبيعي المسال قفزت إلى أعلى مستوياتها في 3 أعوام. قفزة تعكس مخاوف متزايدة من تعطل الإمدادات لفترة طويلة، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن تطورات الوضع الميداني.
ومع تصاعد المخاوف، بدأ مصدرو الطاقة البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط والغاز بعيدًا عن الخليج. خطوط الأنابيب عبر السعودية أو الإمارات متاحة، لكنها محدودة الطاقة الاستيعابية ولا يمكنها تعويض إغلاق كامل للمضيق. في الوقت نفسه، أوقفت بعض المصافي عملياتها مؤقتًا مع امتلاء مرافق التخزين، بانتظار وضوح الرؤية بشأن مستقبل الإمدادات.
من الطاقة إلى الأسمدة فالغذاء
وهذا الارتفاع في أسعار الطاقة لم يتوقف عند حدود المصانع، بل امتد إلى الحقول. فإنتاج الأسمدة يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام أساسية، ويمر نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز.
مع ارتفاع أسعار الغاز واضطراب طرق الشحن، دفعت المخاوف من نقص الإمدادات منتجي الأسمدة حول العالم إلى خفض الإنتاج. الأسعار ارتفعت بالفعل، مع تسارع المزارعين لتأمين احتياجاتهم قبل مواسم الزراعة المقبلة.
يتخوف خبراء الزراعة من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تقليص استخدام الأسمدة عالميًا، مما قد ينعكس لاحقًا على إنتاج المحاصيل. هنا تبرز المفارقة: صراع يبدو بعيدًا عن الحقول، يهدد بإحداث أزمة غذاء، قبل أن يصل إلى رغيف الخبز في أفقر دول العالم. خصوصًا في الدول الأقل دخلاً التي تعتمد على الواردات الزراعية وتكون أكثر حساسية لأي ارتفاع في الأسعار. المزارع في اليمن أو الصومال أو السودان، الذي يعاني أساسًا من ظروف مناخية واقتصادية قاسية، قد يجد نفسه غير قادر على شراء الأسمدة اللازمة لموسمه القادم – مما ينذر بانخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات المكلفة.
سيناريوهات مرتقبة
محللون يتوقعون أن تبقى تداعيات الصراع عميقة حتى بعد انتهائه، نظرًا لتأثيره المباشر في بنية سلاسل التوريد العالمية.
في حال استمرار التوتر لأسابيع إضافية، من المرجح أن تبقى أسعار الطاقة مرتفعة، مع انتقال تدريجي للصدمة إلى أسعار السلع الأساسية. ارتفاع تكاليف الطاقة في آسيا – الوجهة الرئيسية لصادرات الطاقة الخليجية – سينعكس لاحقًا على أسعار السلع المصنعة في أوروبا.
أما إذا تفاقمت الأزمة واتسعت رقعتها، فقد يؤدي ذلك إلى إغلاق فعلي للمضيق لفترة أطول. هذا سيرفع أسعار النفط لمستويات قياسية جديدة، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، حيث تتراجع معدلات النمو بينما ترتفع الأسعار.
وحتى مع افتراض التهدئة السريعة والعودة التدريجية للاستقرار، ستظل اضطرابات الشحن المتراكمة وتكاليف التأمين المرتفعة تؤثر على حركة التجارة لأسابيع قادمة. كما أن البحث عن بدائل طويلة المدى للطاقة وطرق الشحن قد يتسارع، مما يعيد تشكيل خارطة التجارة العالمية في السنوات المقبلة.
أزمة ممتدة تتجاوز أسعار النفط
في سبعة أيام فقط، كشف مضيق هرمز عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وترابطها العميق. صراع رفع أسعار النفط إلى 90 دولارًا، امتد تأثيره ليهدد الأمن الغذائي في أفقر دول العالم عبر تعطيل تجارة الأسمدة. وبينما تراقب الأسواق تحركات السفن في المضيق، يبقى السؤال الأكبر: كم من الوقت سيحتاج الاقتصاد العالمي للتعافي من تداعيات أسبوع واحد من التصعيد في أكثر الممرات الملاحية حيوية على وجه الأرض؟