# 17 اختفوا في الفجر.. وأمهاتهم ينتظرن خلف البوابة… أسبوعان بلا تهمة: تحقيق في مصير معتقلي ليلة معاشيق عدن

عدن /خاص
17 مواطناً جنوبياً معتقلون منذ ليلة 19 فبراير أمام قصر معاشيق، جرى اعتقالهم في اليوم التالي بمداهمات لمنازلهم. عائلاتهم وقفت مساء أمس الثلاثاء 3 مارس 2026 أمام البوابة تطالب بالإفراج أو المحاكمة. لا تهم رسمية، لا تحقيق معلن، ولا استجابة من الجهات الرسمية.
مشهد مسائي أمام بوابة صامتة
الساعة العاشرة من مساء أمس الثلاثاء 3 مارس 2026، وقفت نساء ورجال أمام بوابة قصر معاشيق في عدن. بأيديهم صور شبان في مقتبل العمر، بقلوبهم مثقلة بوجع الانتظار. لا يهتفون كثيراً، فقط يقفون هناك، ينظرون إلى البوابة المغلقة. بين الحين والآخر، يرفع أحدهم صورة، أو تهمس امرأة بدعاء. أطفال صغار يتعلقون بثياب أمهاتهم، يسألون بصوت خافت: “أبي متى سيعود؟”. لا أحد يجيب. لا أحد يملك جواباً.
هذا المشهد أمام بوابة القصر الذي تحول، بالنسبة لعائلات كثيرة، إلى سجن بلا جدران مرئية. خلف هذه البوابة، وبحسب ما تؤكده أسرهم، يقبع 17 مواطناً جنوبياً منذ ليلة 19 فبراير. ليلة تحولت فيها وقفة احتجاجية إلى مشهد إطلاق نار، وسقط فيها قتيل. وفي اليوم التالي، وفي ساعات الفجر الأولى، دهمت قوات الأمن منازل المعتقلين واقتادتهم من بين أسرهم.
أسبوعان مضيا. لا تهمة رسمية، لا تحقيق معلن، لا محاكمة. فقط أسئلة تبحث عن إجابات.
تلك الليلة: عندما تحولت وقفة إلى رصاص
الخميس 19 فبراير، حوالي السابعة مساء. العشرات يتجمعون أمام بوابة قصر معاشيق. لا يحملون سلاحاً، ولا يخططون لأكثر من رفع أصواتهم. كانوا يحتجون على وجود وزراء “شماليين” في عدن، بحسب ما تردد قبل الحادثة.
أبو ياسر بن حليس، شاهد عيان كان هناك، يصف المشهد: “لم تكن مظاهرة مسلحة. لم يكن فيها ما يوحي بالحرب. كانت وقفة شعبية عفوية.. وجوه غاضبة، وهتافات عالية، وأيدٍ فارغة”.
ثلاث ساعات مرت على هذا النحو. هتافات متقطعة، توتر صامت، جنود يراقبون من خلف الأسلاك. ثم في العاشرة مساء، حاول بعض الشبان تجاوز الحاجز الأمني. تدافع محدود، كما يصفه بن حليس، لا أكثر. لكن الرد لم يكن متناسباً مع الفعل.
“الرد لم يكن تفريقاً تقليدياً.. بل كان إطلاق نار مباشر وعنيف”، يقول بن حليس. الرصاص لم يميز بين كبير وصغير. سقط عبدالسلام الشبحي، رجل تجاوز الستين، قتيلاً على الأرض. “سقط شهيد أمام أعيننا”، يضيف بن حليس.
لكن المشهد لم يتوقف عند بوابة القصر. قوات الأمن طاردت المتظاهرين في الأزقة الخلفية، تطلق الرصاص على من يفرون. “رصاص يُطلق على أناس يفرون، لا على أناس يهاجمون. هذا ما رأيته بعيني”، يقول بن حليس.
في تلك الليلة، سقط قتيل وجرحى. لكن القصة لم تنته.
اليوم التالي: مداهمات الفجر
مع ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة 20 فبراير، دوت طرقات على أبواب منازل في أحياء متفرقة بعدن ولحج. قوة أمنية تقتحم، تفتش، ثم تقتاد.
لم يكن المعتقلون ممن بقوا في ساحة الاحتجاج حتى اللحظات الأخيرة. بعضهم عادوا إلى بيوتهم بعد انتهاء الوقفة. بعضهم كانوا في منازلهم طوال الليل. بعضهم لم يشارك في الاحتجاج أصلًا، وفق ما تقول عائلاتهم.
لكن المداهمات لم تفرق بين مشارك ومتفرج، بين من كان هناك ومن لم يكن. القوة الأمنية كانت تحمل قوائم بأسماء، وتطرق الأبواب بحثاً عنها.
هكذا، وخلال ساعات الفجر الأولى، اكتملت قائمة الـ17.
17 اسماً: قصص خلف الأرقام
أيمن عبدالله الميسري، نيازي علي محمد، هارون عمر ناصر. ثلاثة أسماء لعائلات وقفت مساء أمس أمام البوابة. الأول شاب في الثلاثين، كان يعيل أسرة من خمسة أفراد. الثاني أب لطفلين، كان يخطط لحفلة عيد ميلاد ابنته قبل أيام من اعتقاله. الثالث طالب جامعي، كان يحلم بإكمال دراسته.
علي الجانحي، يزيد عبدالقادر اليافعي، تميم يحيى المشالي. الثلاثة اعتقلوا في مداهمات منفصلة، لكن مصيرهم واحد خلف الجدران.
عيسى عمر ناصر، أحمد صالح فضل الشعيبي، علي الجحافي. هؤلاء نقلهم زملاؤهم إلى المستشفى بعد إصابتهم بالرصاص ليلة 19 فبراير. وفي صباح اليوم التالي، اقتحمت قوة أمنية المستشفى واقتادتهم من بين المرضى.
غالب حزام اليافعي، معين اليافعي، أنعم الردفاني، ماجد الردفاني، أسد الردفاني، محمد اليهري، ناصر الكلدي، هاني العمودي. ثمانية رجال، ثماني عائلات، ثماني حكايات تتشابه في التفاصيل: كانوا في بيوتهم صبيحة 20 فبراير، ثم دوى طرق على الباب، ثم اختفوا.
أسبوعان من الانتظار
منذ صبيحة 20 فبراير، وعائلات هؤلاء الـ17 تعيش في حالة ترقب لا تطاق. البعض قضى ساعات أمام بوابة المعاشيق، على أمل أن يلمح ابناً يخرج أو يسمع خبراً. البعض الآخر يطرق أبواب المسؤولين، يسأل، يرجو، فلا يجد جواباً.
مساء أمس، وقفت العائلات أمام البوابة مرة أخرى. رفعوا الصور، رفعوا قلوبهم المثقلة.
في منشورات حملت وسم #جريمه_اعتقال_الناشطين_الجنوبيين، وصفت إحدى الأمهات مشهدها اليومي: “أم تقف تحت شمس المعاشيق تنتظر ابنها الذي اختفى خلف الجدران منذ أسبوعين. لا تعرف عنه شيئاً، ولا تهمة ولا تحقيق ولا أمل”.
أب آخر يروي قصته: “أطرق أبواب المسؤولين كل يوم، أسأل عن ابني. لا جواب. كل دقيقة تمر عليه دون تهمة هي جريمة جديدة”.
الأطفال هم الأكثر تضرراً. “أبي متى سيعود؟” سؤال يتردد كل صباح على ألسنة أطفال المعتقلين. الأمهات لا يملكن إجابة.
العائلات لا تطلب أكثر من خيارين: إما الإفراج الفوري، أو محاكمة عادلة وشفافة. الخيار الثالث، وهو الاستمرار في الاحتجاز دون تهمة، تصفه الأسر بأنه “اختطاف مقنن”.
أسئلة خمسة تبحث عن إجابات
هنا تبدأ الأسئلة التي تترك هذا الملف مفتوحاً على احتمالات كثيرة:
السؤال الأول: إذا كانت الجهات الأمنية تملك أدلة على تورط هؤلاء في أعمال عنف، فأين الملفات؟ وأين التهم الموجهة رسمياً؟
السؤال الثاني: لماذا لم يحل أي من المعتقلين إلى القضاء خلال أسبوعين؟ القانون اليمني، وكذلك المواثيق الدولية، تنص على توجيه تهم خلال مدة زمنية محددة، وإلا يصبح الاحتجاز تعسفياً.
السؤال الثالث: ما الأساس القانوني لمداهمات الفجر واقتحام المنازل دون إذن قضائي؟ وهل شملت المداهمات نساء وأطفال المعتقلين كما تقول بعض العائلات؟
السؤال الرابع: أين المنظمات الحقوقية؟ أسر المعتقلين وجهت نداءات إلى منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. حتى الآن، لم يصدر بيان رسمي من أي من هذه المنظمات.
السؤال الخامس: لماذا الصمت الرسمي؟ الجهة الوحيدة التي أصدرت بياناً حول الحادثة هي اللجنة الأمنية، وجاء مقتضباً. محاولات التواصل مع الجهات الرسمية للحصول على تعليق لم تنجح.
هل هم مختفون قسراً؟
سؤال يفرض نفسه بعد أسبوعين من الاختفاء خلف الجدران: هل ينطبق وصف “الاختفاء القسري” على هؤلاء الـ17؟
بحسب القانون الدولي، الإجابة: نعم.
تعرف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري هذه الجريمة بأنها “اعتقال أو احتجاز أشخاص من قبل موظفي الدولة، يتبعه رفض الاعتراف بذلك الحرمان من الحرية أو إخفاء مصير المختفين، مما يضعهم خارج حماية القانون”.
وهذا تماماً ما حدث مع هؤلاء الـ17:
اعتقالهم تم على يد قوة أمنية تابعة للدولة، في مداهمات فجر 20 فبراير. منذ تلك اللحظة، لم تعترف أي جهة رسمية باحتجازهم، فلا أسماؤهم في قوائم، ولا أماكن احتجازهم معلنة. عائلاتهم لا تعرف مصيرهم، ولا صحتهم، ولا حتى إن كانوا أحياء أم لا. هم الآن خارج حماية القانون، بلا تهمة، بلا محاكمة، بلا اتصال مع محام أو أهل. ويمضي عليهم أسبوعان كاملان على هذا النحو، دون أي كلمة رسمية تخبر عائلاتهم بأي شيء.
ماذا تنص المواثيق الدولية؟
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد في مادته التاسعة: “لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً”. والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقر في مادته التاسعة: “لكل فرد الحق في الحرية والأمان على شخصه”. أما الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري فتنص في مادتها السابعة عشرة على أن “الاحتجاز السري محظور، وأن أسماء أماكن الاحتجاز يجب أن تكون في سجلات متاحة للمعنيين وأقاربهم ومحاميهم”.
أما القانون اليمني، فينص في المادة 48 من الدستور على أن “لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حجزه إلا في حالات التلبس، أو بأمر من قاضي التحقيق أو النيابة العامة”. ويضيف قانون الإجراءات الجزائية وجوب توجيه تهمة خلال مدة أقصاها 24 ساعة من لحظة القبض.
بعد أسبوعين، لا توجد تهمة. لا تحقيق معلن. لا أماكن احتجاز معروفة. لا زيارات للعائلات. لا محامين.
ماذا يعني تصنيفهم كمختفين قسراً؟
إذا ثبت أن هؤلاء الـ17 هم مختفون قسراً، فإن ذلك يعني أن الدولة تتحمل مسؤولية سلامتهم الجسدية والنفسية، وأن لعائلاتهم الحق في معرفة مصيرهم ومكانهم، والحق في التعويض. كما أن هذا التصنيف يفتح الباب أمام إمكانية ملاحقة المسؤولين أمام المحاكم الدولية، ويفرض على المنظمات الحقوقية التدخل العاجل.
بهذا المعنى، فإن ملف المعتقلين الـ17 لم يعد مجرد قضية “اعتقال إداري” أو “توقيف قيد التحقيق”. إنه ملف اختفاء قسري بكل ما تحمله الكلمة من معنى قانوني وإنساني.
العائلات لا تطلب أكثر من معرفة مصير أبنائها. هذا أقل ما يمكن أن تقدمه لهم الدولة التي اعتقلتهم.
عودة إلى البوابة: الانتظار مستمر
تعود الكاميرا إلى بوابة معاشيق. النساء ما زلن هناك، حتى بعد انتهاء الوقفة. الطفل الصغير يسأل مرة أخرى: “أبي متى سيعود؟”. أمه تمسك صورته بصمت. امرأة أخرى تقف بجانبها، تحمل صورة شاب آخر. وراء هاتين الصورتين، 15 صورة أخرى تنتظر في بيوت أخرى.
أسبوعان مرا على ليلة 19 فبراير. قتيل واحد سقط هناك، عبدالسلام الشبحي، الرجل الستيني الذي لم يعد إلى بيته. وفي صبيحة اليوم التالي، اقتيد 17 آخرون من بيوتهم خلف الجدران. عائلاتهم تنتظر إجابة عن أسئلة بسيطة: أين هم؟ بماذا يتهمون؟ ومتى يعودون؟
الأسئلة معلقة. والإجابات ما زالت خلف بوابة المعاشيق.
مساء أمس، وقفت العائلات أمام البوابة. رفعوا الصور، رفعوا قلوبهم المثقلة، وقالوا للعالم: هؤلاء أبناؤنا، اقتيدوا من بيوتهم فجراً، بسبب كلمة، بسبب حلم، بسبب وطن.
الإفراج عنهم ليس منّة. الإفراج عنهم حق.
لكن بوابة المعاشيق ما زالت صامتة.
كتبه: هشام صويلح
خاص لصحيفة وموقع النقابي الجنوبي