الشجيفي يكتب: خديعة الرياض: حوار يبحث عن خِلافات مفقودة

حافظ الشجيفي
عندما تتشح السياسة بوشاح الكيد، وتتدرع بدروع المكر، لا تلبث ان تستحيل الى معول يهدم البناء من قواعده، وانما هي صراع الارادات الذي يلبس ثوب النصيحة ليغرس خنجر الفرقة في خاصرة الوئام، وما كانت قضية الجنوب الا صفحة من صفحات الطهر التي يراد لها ان تتلطخ بمداد الزيف، اذ نرى القوة حين تعجز عن لي اعناق الحقائق تهرع الى السماء لتصب نيرانها صبا، فتمطر الموت على من ارادوا الحياة، وتذيق الابطال كؤوس الردى في وهاد حضرموت وشعاب المهرة، اولئك الذين لم يبتغوا الا طهارة الارض من دنس الاحتلال اليمني الذي جثم على الصدور عقودا طوالا، فاستيقظ التاريخ في مطلع شهر يناير المنصرم على مشهد تقشعر منه الابدان، حين استحال الحليف عائقا، وصار الصديق في ظاهر الامر خصما في باطنه، فبينما كانت القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي تمسح غبار الذل عن جبين الارض، وتبسط رداء السيادة على كامل ترابها، فاذا بسلاح الجو السعودي يتدخل ليعيد عقارب الساعة الى الوراء، ويحيي رميم القوى التي بادت، في فعل يناهض المنطق السياسي السليم، ويصادم مقتضيات النصر الذي كان قاب قوسين او ادنى.
وما اعجب ان ياتي النداء بالصلح والوئام من فوهة المدافع، وما ابلغ التناقض حين ترفع يد لتبطش بالحق ويد اخرى لتكتب دعوة لحوار جنوبي جنوبي في كنف الرياض، وكأن القوم قد ضلوا سبيل الرشاد فاحتاجوا الى من يهديهم، والحال ان الجنوبيين ما انفكت عراهم تتوثق، وما برحوا يسيرون خلف قيادة عيدروس الزبيدي الذي لم يكن الا صدى لصوت الشعب العارم، فاعلن الخطوات التمهيدية للاستقلال استجابة لضغط الجماهير التي رأت في تحرير المهرة وحضرموت فاتحة العصر الجديد، فكيف يستقيم في عقل عاقل ان تدعو المملكة الى حوار بين الاخوة وهم في ذروة الوفاق، ولم تكن هناك خلافات جوهرية تستدعي شد الرحال الى العواصم، بل ان الهدف كان واحدا، والقبلة كانت الاستقلال، فجاءت الدعوة في توقيت يثير من الشكوك اكثر مما يبعث على الطمانينة، اذ لو كانت النية خالصة لوجه الحقيقة، لكانت هذه الدعوة سابقة للضربات الجوية التي نفلتها السعودية على القوات الجنوبية قي حضرموت والمهرة لا لاحقة لها، ولما كان هناك اي داعي لكسر شوكة القوة التي تحمي الارض قبل الطلب من اصحابها ان يجلسوا على مائدة الكلام، فهل الحوار في عرف السياسة الاقليمية والدولية صار مكافاة لمن يضرب، ام انه غطاء لترميم ما تهدم من نفوذ قوى الاحتلال التي اعادها الطيران السعودي الى مشهد الفعل مرة اخرى.
والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة وحرقة ههنا لا يجد له المرء جوابا شافيا، وهو باي صفة تتدخل المملكة في شان هو من صميم الخصوصية الجنوبية، وباي حق تنصب نفسها راعية لحوار بين ابناء الدار الواحدة، بينما المنطق يملي ان تكون الدعوة نابعة من الاطراف الجنوبية ذاتها ان رأت في نفسها حاجة الى ذلك، غير ان المتأمل في مسرح الاحداث يدرك ان المسالة ابعد من مجرد تقريب وجهات النظر، بل هي محاولة لفرض وصاية سياسية تصادر القرار الوطني المستقل، فالمملكة التي صمتت لسنوات طويلة عن دعوات الحوار حين كان الجنوب يئن تحت وطأة التهميش، استفاقت فجأة لتنادي به بعد ان رأت السيادة تتحقق على الارض بحد السيف وبذل الروح، مما يوحي بان المقصود ليس الحوار لذاته، بل الالتفاف على المكتسبات التي تحققت بدم الشهداء، وتفريغ النصر من محتواه السيادي لصالح اجندات لا تخدم الا بقاء الوضع على ما هو عليه من ارتهان وضياع.
وها نحن اليوم، بعد انقضاء شهرين على تلك الدعوة المريبة، نشهد فصولا جديدة من الملهاة السياسية، حيث تفرخ المكونات الكرتونية في عدن وفي غيرها من المدن، وتخرج من العدم كيانات لا جذور لها في ارض الواقع ولا رصيد لها في وجدان الشعب، وكل ذلك ليقال ان هناك اختلافا يستوجب الحوار، وكأن المملكة تخلق الخصم لتلعب دور الحكم، وتصطنع الشقاق لتظهر بمظهر المصلح، بينما الحقيقة الناصعة تقول ان الشعب الجنوبي من باب المندب حتى سيحوت في المهرة، يمثل كتلة صلبة واحدة تلتف حول هدف لا رجعة عنه، وهو استعادة الدولة الجنوبية الى ما كانت عليه قبل عام تسعين وتسعمائة والف، فهذه المكونات الهشة التي تطل برؤوسها الان ليست الا ادوات يراد بها شرعنة الدعوة السعودية للحوار، ومحاولة بائسة لتصوير المشهد الجنوبي بانه مشتت يحتاج الى وصي، والحال ان التشتت ليس الا في خيال من يريدون الالتفاف على ارادة هذا الشعب العظيم الذي قدم الغالي والنفيس في سبيل حريته، فما يجري ليس حوارا من اجل الجنوب، بل هو محاولة بائسة لافتعال مشاكل من لا شيء، وايهام العالم بان هناك تباينات تستدعي التدخل، بينما الواقع ينطق بان السيادة هي المطلب، والاستقلال هو الغاية، وكل ما دون ذلك هو سراب يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا.