اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

كيف خرج الجنوب من فخ التفكيك وفرض معادلة الدولة؟

 

النقابي الجنوبي/خاص

لعدة سنوات، شكل الجنوب هدفًا لمحاولات متكررة من قوى وأحزاب معادية لإضعاف مشروعه السياسي. استندت هذه المحاولات إلى افتراض أن الانقسامات الداخلية ستجعل الجنوب ساحة رخوة، قابلة للسيطرة، وعاجزة عن إنتاج قرار سياسي موحّد. غير أن الواقع الميداني والسياسي أثبت عكس هذا الرهان، إذ تحول الجنوب من مساحة صراع إلى كيان قادر على فرض إرادته وتحقيق نتائج ملموسة.
يقول القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي منصور صالح: «القوى والأحزاب المعادية للجنوب راهنت، وما تزال، على تفكيكه من الداخل باعتباره المدخل الأسهل لتمرير مشاريعها السياسية». ويضيف أن الرهان جاء على افتراض أن الجنوب «ساحة قابلة للاختراق»، وأن الخلافات البينية كفيلة بإجهاض أي مشروع وطني. لكن تشكيل مظلة سياسية جنوبية جامعة، وقدرتها على تمثيل الإرادة الشعبية، ألغى هذا الافتراض عمليًا.
لم يكن هذا التحول حدثًا عابرًا، بل نتج عن مسار طويل من الصراع والتجربة. السيطرة على الأرض كانت شرطًا ضروريًا لتثبيت القرار الوطني، كما يشير منصور صالح: «نجاح المجلس الانتقالي الجنوبي في توحيد الصف الجنوبي، وتمكّن القوات الجنوبية من بسط سيطرتها على معظم الجغرافيا الجنوبية، أسقط عمليًا مشاريع التفكيك وبدّد أوهام تحويل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة».
التحول الأمني أعاد تشكيل العلاقة بين الجغرافيا والسياسة. الأراضي التي كانت متنازع عليها أصبحت اليوم تحت سيطرة فعلية للسلطة الجنوبية، مما أسهم في تعزيز الاستقرار. ومع تراجع نفوذ المراكز المتصارعة، برزت معادلة واضحة: القرار الجنوبي بات مركزيًا وموحّدًا، وليس موزعًا بين أطراف متعددة.
وانتقلت القضية الجنوبية من الدفاع عن الوجود إلى طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل الدولة. المحلل السياسي عادل العبيدي يؤكد أن «لا يمكن بأي شكل من الأشكال التراجع عن خيار وقرار إعلان دولة الجنوب العربي المستقلة»، موضحًا أن الجنوب وصل إلى «ذروة مرحلة الحسم». هذه القراءة ليست مجرد موقف عاطفي، بل تحليل دقيق لتوازن القوى على الأرض.
ويضيف العبيدي: «أي تراجع أو رضوخ لأي ضغوطات كانت لن تتاح بعده فرصة مماثلة لإعلان استقلال دولة الجنوب العربي». هذا التأكيد يبرز أن اللحظة الراهنة تختلف عن مراحل سابقة، سواء من حيث القوة على الأرض أو من حيث الحضور الإقليمي للقضية الجنوبية. فتمكن القوات الجنوبية من السيطرة العسكرية والأمنية وضع الجنوب في موقع تمكين استراتيجي، لا مجرد موقع مطالبة.
في هذا السياق، تكتسب محافظتا حضرموت والمهرة أهمية قصوى. وفقًا لمنصور صالح، استعادتهما «تعني إغلاق الثغرات الأمنية والسياسية، وتثبيت معادلة الاستقرار، واستكمال السيطرة على القرار الجغرافي والاقتصادي للدولة الجنوبية المنشودة». هذه المحافظات ليست مجرد امتداد جغرافي، بل تشكّل عمقًا استراتيجيًا لا يمكن لأي دولة جنوبية قادمة الاستغناء عنه.
من زاوية جنوبية، يمثل السيطرة على حضرموت والمهرة خطوة حاسمة في مسار بناء الدولة. فبدونها، تبقى أي صيغة للدولة ناقصة من حيث الموارد والموقع الاستراتيجي. ويعكس القلق الذي تبديه القوى المناهضة للجنوب إدراكًا متأخرًا بأن مشروع التفكيك لم يعد قابلاً للحياة.
على الصعيد الإقليمي، يربط الكاتب وضاح بن عطية بين التحول الجنوبي ومعادلات الاستقرار في المنطقة: «الجنوب اليوم يقف في قلب لحظة تاريخية كمشروع دولة فرض حضوره من الميدان قبل السياسة». ويضيف أن «استقلال الجنوب يمثل إحدى أهم الدعائم الاستراتيجية لبناء توازن إقليمي مستدام»، معتبرًا أن موقع الجنوب الجغرافي وقدرته على حماية خطوط الملاحة الدولية ومحاربة الإرهاب، يمنحه تأثيرًا يتجاوز حدوده الداخلية.
هذا الربط بين المحلي والإقليمي يغيّر مقاربة القضية الجنوبية، من كونها أزمة داخلية إلى عامل استقرار في بيئة إقليمية مضطربة. ويشير بن عطية: «القوات الجنوبية أثبتت أنها رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي»، في تعاونها مع التحالف العربي، ما عزز من مكانة الجنوب كلاعب فاعل، وليس مجرد ساحة صراع.
في المحصلة، خرج الجنوب من فخ التفكيك عبر مسار مزدوج: توحيد الداخل، وفرض وقائع على الأرض أعادت تعريف العلاقة بين السياسة والجغرافيا. التحدي الحالي لم يعد تفادي الانقسامات، بل إدارة الانتقال من واقع التمكين إلى صيغة الدولة، مع ضمان الاستقرار وتحويل التضحيات إلى دولة قائمة على السيادة والقرار الوطني.
مع تراجع رهانات التفكيك، برزت معادلة جديدة: الجنوب ليس ساحة مفتوحة للمشاريع المتناقضة، بل كيان سياسي يمتلك أرضه وإرادته ومشروعه الواضح. التحولات الأخيرة أعادت رسم واقع الجنوب السياسي والأمني، مؤكدة قدرة قيادته وشعبه على حماية المكتسبات وتحقيق استقرار مستدام على أرضه، مع تثبيت دوره الفاعل في الأمن الإقليمي والاستراتيجية الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى