اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

ابو «عوذل» يشخص ‏إشكالية الخطاب الإخواني الموالي للسعودية في اليمن.. قراءة في تصريحات عبدالله العليمي

 

صالح ابو عوذل

‏بعد أسابيع من الصمت السياسي والتموضع الحذر، عاد القيادي في جماعة الإخوان اليمنية عبدالله العليمي للواجهة عبر خطاب يمكن اعتباره وثيقة تموضع سياسي وولاء مهزوز، أكثر منه نداء تهدئة. فالعليمي لم يكتفِ بالظهور إلى جانب مشرعن الحصار رشاد العليمي، بل مضى أبعد من ذلك، حين شرعن بصورة غير مباشرة سياسات السعودية المرتبطة بحصار الجنوب، مغلّفا ذلك بلغة أخلاقية ناعمة عن “الحكمة” و”حقن الدماء”.

 

 

‏اللافت في خطاب العليمي أنه افترض ــ عن قصد أو وهم ــ أن الذاكرة الجمعية للجنوبيين، وخصوصا أبناء عدن، قصيرة أو قابلة للمحو؛ متناسيا أن كل هذا الجيل ما زال يحمل آثار القمع والإرهاب الذي تعرّض له المتظاهرون السلميون، في مرحلة كان فيها الخطاب الإخواني يُستخدم للتحريض على القتل، تحت ذرائع سياسية وإعلامية، من بينها اتهام علي سالم البيض بنهب أموال الدولة.

‏د. عبدالله العليمي، الذي يُعدّ أحد أكثر الشخصيات الإشكالية داخل بنية “الشرعية” اليمنية، صعد إلى دائرة القرار في عهد الرئيس هادي بدعم وإملاءات سعودية واضحة، على حساب شخصيات إدارية وأكاديمية أُقصيت من مواقعها، هو د. محمد مارم.

‏ولسنا هنا بصدد استعراض تاريخه السياسي أو تحميله مسؤولية وقائع دامية، بينها سقوط متظاهرين في عدن، بل التوقف عند مفارقة صارخة: كيف يتحوّل خطاب التحريض بالأمس إلى موعظة عن الحكمة والمسؤولية اليوم؟

‏هذا التناقض هو ما يفرض ضرورة قراءة خطاب العليمي لا بوصفه دعوة أخلاقية، بل كجزء من أزمة أعمق في الخطاب الإخواني اليمني، حين يُستخدم القيمُ غطاء سياسيا، وتُستدعى “الحكمة” فقط عندما تتغيّر موازين القوة.

 

 

‏ولكن قبل ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن مهندس صناعة الأزمة داخل بنية “الشرعية” اليمنية، وداخل منظومة التحالف العربي، هو ذاته من تناسى أولوية الحرب وتوحيد الجهود لمواجهة جماعة الحوثي.

‏وليس هذا التجاهل نابعا من توافق أيديولوجي مع الأذرع الإيرانية – رغم أن أحد أقربائه قُتل وهو يقاتل في صفوف الحوثيين – بل لأنه جزء من مخطط سياسي أوسع، دفع به إلى موقع مدير مكتب الرئيس هادي، بهدف حصد النتائج لاحقا: الهيمنة على القرار السياسي والدبلوماسي والإعلامي.

‏كان الرهان، وفق هذا المخطط، أن معركة الحوثيين هي في الأساس “مهمة التحالف العربي”، وأن العودة إلى صنعاء يمكن أن تتم إما عبر تفاوض ينتهي بتقاسم السلطة مع الحوثيين، أو عبر ترتيبات تُبقي الجماعة لاعبا مركزيا، بعد أن يكون تنظيم الإخوان قد أُحكم تمكينه في مفاصل القرار كافة.

‏هكذا، لم تكن الحرب أولوية، بقدر ما كانت مرحلة انتظار لإعادة توزيع النفوذ.

 

 

‏ظن عبدالله العليمي أن المقدمة “العاطفية” كفيلة بتمرير خطاب الارتهان للسعودية، وشرعنة العداء لأصحاب الأرض. فهو، وإن كان عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، يقف عمليا على الضد من موقف أهل الأرض ومن مفهوم الشرعية الحقيقية، لكنه يقدّم خطاب تهدئة مشروط، لا من أجل وحدة اليمن، بل من أجل السعودية؛ الدولة التي تبدو مصلحتها، في خطاب العليمي، مقدَّمة على المصلحة الوطنية اليمنية، ولكن الأمر اشبه بتقاطع مصالح مع التنظيم الدولي الذي أعلن تأييده لكل خطوات الحصار المعيشي ودعوات الحرب.

‏اشترط العليمي – وهو شرط سعودي أولا قبل أن يكون شخصيا – أن تكون التهدئة مرهونة بـ”انسحابات من حضرموت والمهرة”.

 

 

‏لم يقل من ينسحب، لكنه يدرك جيدا أن الرسالة واضحة: التهدئة، وفق هذا المنطق، تعني إفساح المجال أمام وجود سعودي مكتمل الأركان، يُعاد تسويقه سياسيا تحت لافتة “خفض التصعيد”.

‏وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين يقف التنظيم الإخواني اليمني، وأين يقف التنظيم الدولي، مما يجري في حضرموت؟

‏هل ما نشهده تعبير عن مطامع سعودية خالصة، أم عن مشروع إخواني يجد في السعودية مظلة مرحلية؟

 

 

‏قد تبدو الإجابة السطحية أن المصالح مشتركة، لكن القراءة الأقرب للواقع تشير إلى أن الهدف النهائي هو تمكين التنظيم اليمني للإخوان بوصفه حليفا جاهزا لتأدية أدوار “الأمن القومي”.

‏فالقوات التي كانت ترابط في وادي وصحراء حضرموت هي، دون مواربة، قوات ذات طابع إخواني، وهذه مسألة لا تقبل الجدل.

 

 

‏لكن المفارقة التي تفضح الخطاب كله: كيف لقوة قُدّمت لسنوات باعتبارها حامية “الأمن القومي للسعودية” أن تنهار بهذه السرعة، دون مقاومة تُذكر؟ وكيف يظهر قادة التنظيم بعدها في موقع الشكوى من “انتكاسة مفاجئة”، وكأنهم لم يكونوا يمسكون بالأرض والقرار معا؟.

‏هذه الأسئلة لا تُحرج خطاب العليمي فقط، بل تكشف هشاشة السردية الإخوانية كاملة، حين تُختبر خارج غرف التبرير السياسي.

 

 

‏يتحدث عبدالله العليمي عن “فتح جبهات جديدة”، وعن “التصعيد”، وعن “الانهيار الاقتصادي والاجتماعي”، دون أن يطرح على نفسه السؤال الأكثر بداهة: أين كان هو شخصيًا من هذا التراكم الطويل للأزمات؟

‏أليس هو من أمسك بالقرار العسكري في مرحلة مفصلية؟ وأليس هو من خان ثقة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، حين قاد تفكيك تحالفاته مع الجنوبيين بقرار ارتجالي صدر في السابع من أبريل 2017م، في ذكرى إعلان الحرب على الجنوب؟

 

 

‏اعتقد العليمي حينها أن تلك القرارات ستمر كرسالة تأديب سياسية للجنوبيين، غير أن الواقع جاء صادمًا، وقلب كل الحسابات. فمن رحم تلك السياسات، وُلد المشروع الوطني الجنوبي، ممثلًا بـ المجلس الانتقالي الجنوبي.

 

 

‏ولم يكن ميلاد المجلس الانتقالي ردّة فعل عاطفية أو لحظة انفعال سياسي، بل نتاج عمل منظم ومدروس استمر لأكثر من عام ونصف، على المستويين الشعبي والسياسي. المجلس ذاته الذي يخاطبه العليمي اليوم بلغة فوقية، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يستخدمها بعض السعوديين حين يتحدثون عن اليمن والجنوب من موقع الوصاية.

 

 

‏في علم النفس السياسي، هذا النوع من الخطاب يعكس غالبًا شعورًا داخليًا بالتهديد أو عجزًا عن الحسم واتخاذ موقف واضح، فيتحول الخطاب من مسؤولية سياسية إلى وعظ أخلاقي.

‏حمّل العليمي المجلس الانتقالي عبء “التصعيد”، متجاهلًا حقيقة أن ثلاثة من قادة المجلس هم زملاؤه في مجلس القيادة الرئاسي، وأكثر منه خبرة سياسية وعسكرية، وأنهم أعضاء في المجلس ذاته بموجب اتفاق الرياض؛ الاتفاق نفسه الذي أعاده من موقع مدير مكتب الرئيس إلى موقع نائب رئيس مجلس القيادة.

 

‏تجاهل العليمي القضية الوطنية الجنوبية، واستحقاقات المكاسب العسكرية، وحق الناس في حياة كريمة وأمن واستقرار وتنمية. تجاهل الجماهير التي خرجت إلى الشوارع مطالبة بحقها في الأمن، وكأن تلك الإرادة الشعبية عبء يجب إسكاته لا التعبير عنه.

 

 

‏لا يجيد هذا التيار سوى تقديم الشروط تحت مسمى “مبادرات”: تهدئة مشروطة بالانسحاب، دون أي مقاربة عادلة أو رؤية حقيقية لحل الأزمة. فالانسحاب ليس مدخل سلام، بل شرط إخضاع، في لحظة تُستحضر فيها القوة العسكرية والطيران كوسيلة ضغط، ويُطلب من الجميع تقديم الولاء قبل أي حديث عن الحقوق أو السيادة.

 

 

‏أما خطاب العليمي، فلم يكن سوى خطبة إنشائية، أعادت إلى الأذهان خطابات التحريض القديمة في ساحات كريتر، حين كانت القضية الجنوبية تُختزل في اتهامات قديمة حول “أموال نهبها علي سالم البيض”.

‏في جوهر الأمر، لم يرد العليمي توصيف الدور السعودي، بل تثبيت الولاء له. فجاءت الإشادة بـ المملكة العربية السعودية مطلقة، بلا أي ربط بالتزامات سياسية أو قانونية، ولا إشارة لدورها في الترتيبات العسكرية، ولا حتى تطرّق لأزمة الحصار الخانق على المطارات والموانئ منذ الثامن من ديسمبر الماضي.

‏لقد كان الهدف واضحا: طمأنة الرياض لا أكثر. فالولاء بات اليوم معيار الوطنية، والتأخر في تقديمه يُفسَّر خيانة. انسحاب أولًا، مصلحة السعودية أولًا، دون اعتبار للمرجعيات السياسية أو السيادة اليمنية أو الانتهاكات الواقعة.

 

 

‏فالمهمة واحدة: تمكين التنظيم الإخواني، ولو كان الثمن العودة على ظهر دبابة غير سعودية، أو في ذيل صاروخ سعودي يسقط على حيّ سكني. المهم هو تقديم الولاء… ولو كان نفاقا.

 

زر الذهاب إلى الأعلى