اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حضرموت والمعركة القادمة.. رسالة من الداخل لا تقبل التشويه

_حضرموت لن تغرد خارج السرب الجنوبي.. مصير واحد من حوف إلى باب المندب

النقابي الجنوبي/خاص

في وقت تتكاثر فيه التحديات على الساحة، وتجري محاولات لزرع الشكوك حول وحدة الجنوب، ولكن تقف حضرموت بشموخ وتاريخها الراسخ لتعلن أنها جزء لا يتجزأ من هذا الوطن الجنوبي الممتد من حوف إلى باب المندب.
وتلك الحقيقة التي أكدها أبناء حضرموت في أكثر من موقف وطني، لا تقبل المساومة أو التأويل.
ولقد تكررت خلال الفترة الأخيرة محاولات إعلامية مشبوهة حاولت تصوير حضرموت كمكون “محايد” أو “منفصل”، غير أن الواقع على الأرض ينفي تلك السرديات المصطنعة، فقد كان أبناء حضرموت في مقدمة الصفوف عند كل استحقاق وطني جنوبي، سواء في الحراك أو المقاومة أو السياسة.
والرسائل التي يبعث بها الشارع الحضرمي، من المكلا إلى سيئون، ومن الشحر إلى تريم، كلها تؤكد أن حضرموت لن تغرد خارج السرب الجنوبي، بل إنها تمثل قلب الجنوب النابض، وصمام أمان هويته الجامعة.
وهذا الموقف الشعبي الحاسم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمواقف تاريخية منذ انطلاق الحراك الجنوبي، وصولاً إلى اللحظة السياسية الراهنة التي تتطلب اصطفافاً جنوبياً حقيقياً. وإن حضرموت، بما تمتلكه من رصيد حضاري وثقل اقتصادي، لم تكن يوما على الهامش، بل كانت دوما في قلب القرار الجنوبي، وشريكا فعليا في معادلة المصير الواحد.

– صخرة الواقع

ما يروّج له البعض من أن حضرموت قد تخرج عن الصف الجنوبي، هو ضرب من الأوهام التي لا تجد لها صدى إلا في عقول من لا يفهمون النسيج الجنوبي، فحضرموت لم تكن في يوم من الأيام مجرد جغرافيا مستقلة، بل كانت وما زالت عقل الجنوب وروحه.
ولقد خاضت حضرموت معارك الجنوب الكبرى، ودفعت ثمن مواقفها الوطنية من دماء أبنائها ومواردها ومكانتها، وليس من المنطقي اليوم أن تُختزل هذه التضحيات في مشاريع صغيرة تبحث عن مكاسب ضيقة أو أوهام فدرالية مرقعة، ولعل اللافت في المشهد أن الذين يدفعون باتجاه هذه الفكرة ليسوا أبناء حضرموت أنفسهم، بل جهات خارجية تحاول استخدام الورقة الحضرمية كورقة ضغط سياسي أو تفاوضي، دون أن تدرك أن إرادة الشعوب لا تُباع ولا تُشترى.
وفي الواقع، جاء الرد من أبناء حضرموت أنفسهم، في فعالياتهم، وفي لقاءاتهم القبلية والمجتمعية، وفي مواقفهم التي تُعلن كل يوم بوضوح: “مصيرنا مع الجنوب، ولا خيار آخر”، وحضرموت اليوم لم تعد تحتمل الصمت، بل صارت تتصدر المشهد الجنوبي وتعيد تعريف موقعها التاريخي كمفصل محوري في مشروع الدولة القادمة.

– من حوف إلى باب المندب.. وحدة لا تنكسر

وتتصل حضرموت بجغرافيا الجنوب كما تتصل شرايين القلب ببعضها، فالحدود ليست خطوطاً على الورق بل تداخلا في العيش والمصير والمقاومة، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب عند باب المندب، هناك شعب واحد وهوية واحدة.
وليست الحدود وحدها ما يوحد الجنوب، بل الذاكرة الجمعية التي حملت وجع الاحتلال وأمل التحرير، والدماء التي امتزجت في ساحات النضال ضد قوى الاستعلاء والهيمنة، وإن ما يربط حضرموت بعدن ليس طريقاً برياً فقط، بل تاريخ طويل من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ومن يراهن على تقطيع هذه الأوصال لا يدرك عمق التماسك الجنوبي.
وإذا كانت بعض القوى تتحدث عن حضرموت كمنطقة نفوذ مستقل، فإن الواقع يقول إن حضرموت تصنع القرار الجنوبي ولا تستقبله فقط، فهي طرفٌ في المعادلة، لا تابعٌ لأحد.

إن الجنوب كلّه، من سقطرى إلى الضالع، ومن أبين إلى شبوة، ينظر إلى حضرموت كأخٍ وشريكٍ في الطريق والمصير، لا كمجرد محافظة عليها علامات استفهام.

– المعركة القادمة وحضرموت

وتتطلب المعركة القادمة، سواء كانت سياسية أو عسكرية، تماسكاً جنوبياً أكثر من أي وقت مضى، ولعل العنصر الأهم في هذه المعادلة هو حضرموت، فبدونها لا يمكن للجنوب أن يستكمل نهوضه، ولا أن يحقق مشروعه الوطني الكبير.

ولم يعد الحضور الحضرمي في المعادلة الجنوبية خيارا، بل ضرورة استراتيجية، فهي المنطقة ذات الثقل الاقتصادي والنفطي والسكاني، وصاحبة التأثير الكبير في رسم المشهد القادم، لذلك فإن كل من يحاول اللعب على وتر التمايز الحضرمي، إنما يحاول إضعاف الجنوب من الداخل، وهذا أمرٌ لن تسمح به حضرموت قبل أن يرفضه الجنوب كله.

وحضرموت ليست رقماً في معادلة سياسية مؤقتة، بل حجر الزاوية في أي صيغة جنوبية قادمة، ومن دون شراكتها الحقيقية، لن تقوم للدولة الجنوبية قائمة، لذا فإن الوقت قد حان لإعادة التأكيد على الاصطفاف الجنوبي الشامل، وتوحيد الصفوف لمواجهة تحديات قادمة قد تكون مفصلية في مستقبل الجنوب كله.

– حضرموت.. من العمق إلى الواجهة

ولقد آن الأوان لأن تتحول حضرموت من مجرد عمق استراتيجي للجنوب إلى واجهة سياسية فاعلة في رسم ملامح المستقبل، ليس لأنها تمتلك الأرض والثروة فقط، بل لأنها تملك أيضا الوعي والقدرة على إدارة التوازنات، وأبناء حضرموت أثبتوا خلال السنوات الماضية أنهم ليسوا فقط جمهورا يتلقى القرار، بل شركاء حقيقيون في صناعته، وكان موقفهم دائما منسجما مع تطلعات الشعب الجنوبي في التحرر والسيادة والاستقلال.
ومن أبرز الدلائل على ذلك هو انخراط حضرموت المبكر في الحراك الجنوبي، ورفضها لأي مشاريع تتجاوز إرادة الشعب، فقد كانت أول من قال “لا” لأي ترتيبات لا تنطلق من الهوية الجنوبية.
ورغم الضغوط الهائلة، ظلت حضرموت على العهد، تقاوم بصمت حينا، وتعلن موقفها بصراحة حينا آخر، دون أن تغريها الشعارات الزائفة أو المصالح الآنية. وهذه المواقف لم تأتِ من فراغ، بل من وعي حضرمي عميق بضرورة حماية النسيج الجنوبي، ورفض كل محاولات التشظي أو التلاعب بالثوابت الوطنية.

– الرسالة من الداخل لا تقبل التشويه

والرسالة التي صدرت من الداخل الحضرمي لم تترك مجالا للتأويل: لا للانفصال عن الجنوب، ولا للتماهي مع مشاريع التقسيم الخارجي، وهذا الصوت لا يمكن تحريفه مهما حاول البعض تغيير نبرته. والملتقيات الحضرمية الأخيرة، والبيانات الصادرة عن وجهاء القبائل والمكونات الاجتماعية، كانت واضحة في دعمها لخيار الدولة الجنوبية كاملة السيادة، بل إن بعض المكونات التي كانت تُحسب سابقا على التيار “المحايد”، بدأت تعلن انحيازها العلني للجنوب، بعدما اتضحت لها طبيعة اللعبة الجارية في المنطقة.

وكل ذلك يعزز القناعة بأن الموقف الحضرمي لم يعد بحاجة إلى من يفسّره، بل إلى من يحترمه ويلتزم به. أما الخارج، فعليه أن يقرأ هذه الرسائل جيدا، وأن يتوقف عن استخدام حضرموت كورقة ضغط في طاولات السياسة الإقليمية والدولية.

– مشروع الدولة

وإن المشروع الوطني الجنوبي القائم على أساس الشراكة والمساواة لا يمكن أن يُبنى دون حضرموت، فهي ليست طرفا هامشيا، بل مركز ثقل وقيادة، ومن يظن أن بإمكانه بناء دولة جنوبية بدون إشراك حضرموت بفعالية، فهو يتحدث عن كيان مبتور لا يمكنه الصمود أمام أية تحديات حقيقية.
وعلى العكس من ذلك، فإن حضور حضرموت في المشهد السياسي يمثل ضمانة للتوازن، وركيزة للاستقرار، وأساسا لأي حلول مستدامة، وهذا ما يدركه القادة الجنوبيون في المجلس الانتقالي الجنوبي جيدا، ولهذا كانت الدعوات في الآونة الأخيرة أكثر تركيزا على تعزيز دور حضرموت في مراكز القرار، والحديث اليوم لم يعد عن ضم حضرموت للجنوب، بل عن تمكينها من قيادة المشروع الجنوبي إلى برّ الأمان.

زر الذهاب إلى الأعلى