من كهوف أفغانستان إلى يمنستان

 

هاني سالم مسهور

في زمن الحرب الباردة الأولى شكلت أفغانستان نقطة محورية للولايات المتحدة والمعسكر الغربي في هزيمة الاتحاد السوفييتي. وفي ثمانيات القرن العشرين اعتمد الغرب على انتهاز صعود «الإسلام السياسي» من بعد الثورة الخمينية في إيران 1979 وصعود «الصحوة الإسلامية» في الأوساط السنيّة، شكلت الإيديولوجية ما يمكن اعتباره باليورانيوم في تصنيع القنبلة النووية.

على ذلك تم استجلاب أكثر ما يمكن من العرب السنّة والاستثمار في أفكارهم، جماعة «الإخوان المسلمين» وجدتها فرصة استثمرت فيها مع ما كانت تشكله من اختراق في مؤسسات الدول العربية، السر كان في تخصيب الإيديولوجية داخل كهوف قندهار وتورا بورا، فهذه كانت معامل التخصيب التي لم تراها عيون الاستخبارات الأميركية والبريطانية فلطالما كانوا منشغلين في استنزاف السوفييت الشيوعيين في الحرب.

انهزم الاتحاد السوفييتي في أفغانستان ونزل العَلم الأحمر من على الكرملين وسقط جدار برلين العظيم، احتفلت رئيسة وزراء بريطانيا تاتشر ورونالد ريغان بالانتصار، وبينما هما يحتفلان كانت مازالت المعامل في كهوف أفغانستان تنتج الآلاف من المقاتلين العرب والمسلمين بفكرة واحدة وهي إقامة دولة الخلافة الإسلامية.

الفكرة تحولت إلى عقيدة، والعقيدة تحولت إلى أحزمة ناسفة وألغام زرعت وتفجرت في عواصم العالم من لندن إلى بروكسل وباريس، فهؤلاء المقاتلين لم يجدوا عدواً لهم من بعد حروب الشيشان والبلقان سوى إقامة دولتهم المزعومة، الأنظمة العربية في السودان واليمن وجدوا أيضاً ما يمكن الاستثمار في منتجات كهوف أفغانستان. الاتحاد السوفييتي في 1991 وهو العام ذاته الذي انعقد فيه «المؤتمر العربي الإسلامي» في الخرطوم، وهنا الحدث الأهم حين التقى زعماء الإسلام السياسي واليساريين العرب فمن أسامة بن لادن والظواهري ونايف حواتمة وجورج حبش وعماد مغنية وراشد الغنوشي وحتى عبدالرسول سياف وحسن الترابي.. هذا الخليط أنتج في اليمن الجنوبي عام 1994 منتجه الأول برعاية علي عبدالله صالح الذي استعان بالأفغان العرب في حربه على الجنوب.

كانت الحرب من وجهة نظر الإسلاميين «حرباً مقدسة» ضد الماركسيين، بينما رأتها أميركا أنها حرب على آخر معاقل الشيوعية في الشرق الأوسط،. وبعدما سيطرت صنعاء على الجنوب وجدت جماعة «الإخوان» الفرصة لتنتج للعالم أول منتجاتها فأخرجت تنظيم «القاعدة» في جزيرة العرب الذي شنّ أولى هجماته الإرهابية في العاصمة السعودية الرياض 1996 باستهداف القوات الأميركية وقتل فيها خمسة أميركيين. لم يتنبه أحد ما بأن معامل الكهوف انتجت في أفغانستان قنابل أشد فتكاً من تلك القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما اليابانية، كما أنه لم ينتبه أحد أن صحاري حضرموت وشبوة أصبحت أرضاً واسعة لإنتاج الآلاف من الأفغان العرب، الذين ذهبوا ليضربوا أبراج منهاتن في الحادي عشر من سبتمبر 2001.

لا تحتاج الأيديولوجية غير حواضن وعدم انتباه وقليل جداً من التغافل مع إهمال لتنتج معاملها المفخخات والمتفجرات ثم سيكون لديك «داعش» و«جبهة النصرة» و«الذئاب المنفردة».. كل هذا حدث ويحدث وسيحدث ما دامت الكهوف والصحاري والجبال متروكة لأبناء العائدين من الغفلة الأولى. في «يمنستان» سيتم إنتاج جيل أكثر توحشاً من تنظيم «القاعدة» وأكثر شراسة من قاسم سليماني وأبوبكر البغدادي. جبال «صعدّة» وكهوفها ستكون معامل تنتج الرعب «الإسلاموي».

فهناك بيئة انتجت في الواقع حركة راديكالية هي الأكثر تعصباً وتشدداً عرفتها اليمن في الخمسة قرون الأخيرة. الخطر «الحوثي» ليس لأنه مهدد في هذه اللحظة الراهنة لأمن الملاحة البحرية فحسب، بل إنه أكثر خطورة من ذلك. فالخطر ممتد متى ما أدركنا أن «الحوثيين» قادرين على أن يتحالفوا مع حزب «الإصلاح» فرع «التنظيم الدولي لجماعة الإخوان»، وكلاهما لديهما من المخزون البشري المهول، وكلاهما لديهما فكرة شيطانية قاتلة للدولة الوطنية هي ذاتها التي كانت في كهوف أفغانستان،، وها هي تأتي لكهوف يمنستان.