اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حرب اقتصادية شرسة تُدار من غرف مظلمة لكسر إرادة العاصمة عدن

النقابي الجنوبي/خاص

الريال ينهار.. الجوع يتفشى.. والكهرباء تُقطع بأمر سياسي لإخضاع الجنوب!

من يشن الحرب على عدن؟ منظومة خفية تستخدم الخدمات كسلاح دمار شامل

حصار مدروس وخنق جماعي.. عدن تواجه أعتى حروب القرن بوسائل خبيثة

لم يكن حديث وزير الخدمة المدنية الدكتور عبدالناصر الوالي بوجود “دولة عميقة” تدير المشهد وتحاول اخضاع الجنوب من فراغ، فمنذ إعلان عدن عاصمة للبلاد، بدأت تظهر بوادر استهداف اقتصادي ممنهج ضد عدن وسكانها، عبر ما يُعرف بـ”حرب الخدمات”، وهي حرب صامتة لكنها مدمّرة.

وهذه الحرب لا تستخدم السلاح التقليدي، بل تعتمد على أدوات اقتصادية وإدارية لتعطيل الحياة وشلّ قدرات الناس اليومية، من خلال استهداف الخدمات الأساسية والمعيشية.

وأبرز هذه الأدوات هي التلاعب بالعملة المحلية عبر إصدار سابق غير مغطى للريال، ما أدى إلى فقدان الريال لقيمته الشرائية وزيادة الأسعار بشكل جنوني.

وتشير التقارير إلى أن طباعة العملة الجديدة آنذاك بدون غطاء مالي، متجاوزة حدود السياسة النقدية الرشيدة، ومتسببة بانفجار في معدلات التضخم.

واليوم يفقد الريال أكثر من 300% من قيمته في عامين فقط، وهو انهيار يُقصد به إضعاف المواطن الجنوبي وتدمير أي قدرة له على الاستقلال المالي أو حتى الاكتفاء الذاتي.

والكهرباء ايضا واحدة من أهم عناصر الحياة، تحولت إلى أداة عقاب جماعي، حيث يتم التحكم بكميات الوقود المخصصة لعدن بطريقة تُظهر نيّة واضحة في خنق العاصمة.

وليس أزمة الكهرباء فقط انقطاعًا في الخدمة، بل هي عامل يؤثر على كل مظاهر الحياة: من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والتجارة.

والتدمير المنهجي للبنية التحتية يشمل أيضًا وجود مخربين يحاولون عرقلة مشاريع المياه والصرف الصحي، مما حول كثيرًا من أحياء عدن إلى بؤر بيئية خطيرة تهدد الصحة العامة.

وكل هذه المؤشرات تؤكد أن ما يحدث ليس سوء إدارة أو خللًا فنيًا، بل حربًا اقتصادية منظمة تهدف لإضعاف عدن وكسر إرادة سكانها.

تداعيات انهيار العملة

وأدى انهيار الريال إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة تتراوح بين 300% إلى 500%، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ البلد.

ولم يعد المواطن العادي في عدن قادرًا على شراء احتياجاته اليومية، وتحولت الأسواق إلى مشاهد للبؤس والقلق والخوف من الغد.

وأصبحت الوجبة اليومية حلمًا صعبًا لأكثر من 80% من السكان، بحسب تقارير الأمم المتحدة، مما يُنذر بكارثة إنسانية حقيقية.

ولم يعد اليوم دخل الموظف يغطي حتى نصف الاحتياجات الأساسية، خصوصًا في ظل غياب آليات واضحة لضبط الأسعار أو رقابة على الأسواق.

واضطر كثير من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى إغلاق أبوابهم بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية وفقدان الزبائن لقوتهم الشرائية.

وتآكلت الطبقة المتوسطة في عدن بشكل مخيف، وتحولت الغالبية إلى طبقة فقيرة تعاني من انعدام الأمن الغذائي.

وينعكس هذا الوضع الاقتصادي أيضًا على القطاع الصحي، حيث لم يعد المواطن قادرًا على شراء الأدوية أو الذهاب إلى العيادات الخاصة ومن لديه امكانيات يموت أو يمرض جراء الفساد المستشري بوزارة الصحة.

وبدأ القطاع التجاري يُظهر علامات انهيار، بعد أن باتت عملية الاستيراد غير مجدية في ظل تذبذب سعر الصرف وفقدان الثقة في العملة.

ودفع فقدان الثقة في الريال كثيرين إلى التعامل بالدولار أو الريال السعودي، مما فاقم من عزلة العملة المحلية.

ويخلق هذا الوضع بيئة خصبة لتجار السوق السوداء والمضاربين، ويضعف الاقتصاد الرسمي ويزيد من هشاشة النظام المالي.

انهيار الخدمات الحيوية

وباتت الكهرباء تُقطع لساعات طويلة يوميًا، تصل في بعض الأيام إلى أكثر من 12 ساعة، مما يجعل الحياة شبه مستحيلة في ظل درجات الحرارة المرتفعة.

وتعاني محطات الكهرباء من شح الوقود، وتخضع للوبي فساد وتلاعبات سياسي تحاول الضغط، ما يؤكد أن أزمة الطاقة ليست فنية بل مقصودة.

وتتسبب أزمة الكهرباء في شلل عام في الأنشطة التجارية، وحرمان الطلاب من الدراسة، وتعطيل المستشفيات والمراكز الطبية.

ويعتمد المواطنون بشكل كبير على الشراء من الوايتات (صهاريج الماء)، والتي تُباع بأسعار لا يقدر عليها الجميع.

اما خدمات الصرف الصحي متهالكة، فقد تحولت بعض الأحياء إلى مستنقعات مائية، تهدد بانتشار الأوبئة والأمراض، فيما أكدت مصادر النقابي الجنوبي بوجود خلايا نائمة وعناصر مندسة تحاول قدر الامكان تخريب منظومة الصرف الصحي وافتعال الأزمات وعمل ضغط للجهات المعنية والسلطات.

ولم تقدم الحكومة المركزية أي خطة طوارئ – حتى الآن – لمعالجة الأزمات الخدمية في عدن، وهو ما يعزز المخاوف حول وجود نية في ترك المدينة تنهار.

وهذا الانهيار الكامل في الخدمات يؤكد أن عدن تواجه حربًا خدمية شاملة ذات طابع سياسي وأمني واقتصادي في آن واحد هدفه (المجلس الانتقالي) وشعب الجنوب معاً.

التأثيرات

وأدى الفقر والجوع والحرمان أدت إلى ارتفاع حاد في نسبة الطلاق، والتفكك الأسري، وازدياد حالات العنف المنزلي، ونقص في الاقبال على الزواج.

ويعاني الشباب في عدن من البطالة واليأس، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 65% من شباب العاصمة عدن بلا وظائف أو دخل ثابت.

وفي المقابل فإن العيادات النفسية في عدن غير قادرة على الاستجابة للحاجة المتزايدة، بسبب قلة الأطباء المتخصصين وضعف التمويل وقلة الوعي وكلها مهام ترتبط بوزارة الصحة التي بات يحكمها ويسيطر عليها حزب الاصلاح الارهابي.

ولم يسلم التعليم من هذه الحرب، إذ اضطرت أكثر من 40% من الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس بسبب الفقر، ناهيك عن توقف الدراسة نهائيًا.

وبدأت الثقافة العامة في العاصمة عدن منذ عام 2015 تشهد حالة من الانهيار، حيث تراجعت الأنشطة المجتمعية والثقافية، واختفى الدعم الحكومي للمبادرات الشبابية، وازدادت الشلل السوقية (أبناء الأركان).

أما المرأة العدنية فحدث ولا حرج، فالوضع بات مريرًا، إذ تقع تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية مزدوجة دون أي دعم رسمي أو من المنظمات المجتمع المدني التي تنفق المليارات وتذهب معظمها لنازحي تعز وأبناء الشمال فقط، حسب تأكيدات عدة لصحيفة (النقابي الجنوبي)

ولا يمكن لهذا الانهيار الاجتماعي ان يتم فصله عن الحرب الاقتصادية اليمنية على الجنوب، بل هو أحد أوجهها الأكثر خطورة وفتكًا.

بوادر

ورغم حجم الاستهداف، بدأت عدن تظهر وعيا مدنيا شعبيا واسعا، فكثير من أحياء المدينة وبدعم سلطات المديريات المحلية يتم القيام بمهام الحكومة والدولة و لتوزيع المياه والغاز وتنظيم حملات نظافة وصيانة الطرقات، وملء الفراغ الحكومي.

وبعض الأحياء بدأت بتنظيم مبادرات لإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية على نفقة الأهالي والمتبرعين.

أما الحاضنة المجتمعية في عدن فباتت تُظهر وعيًا متناميًا بخطورة المرحلة، وبدأت تتجه نحو الاعتماد على الذات، فالمشاريع الصغيرة عادت للنشاط ببطء، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية والتسويق.

واستثمرت مجموعات عديدة من رجال الأعمال الجنوبيين في مشاريع كثيرة في العاصمة عدن مما ساهم بتوفير الآف الوظائف والدخل للكثيرين.

وبدأت صحافة الجنوب الحرة والنشطاء في عدن يدركون الانتهاكات الاقتصادية ويقومون بنشرها على نطاق واسع وزادت رقعة الوعي المجتمعي بأن المتسبب بهذا الفيلم يريد لعدن أن لا تنهض وأن يتحول شعبها لمهاجمة المشروع الجنوبي، ولمعاقبة المحافظات المحررة.

وتشكل هذه المبادرات اللبنة الأولى لمواجهة حرب الخدمات التي تستهدف أساسًا قتل روح المجتمع واستسلامه.

التحرك السياسي والدولي

وسياسيًا، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي في التحرك دوليًا لمواجهة الأزمات، وبلورة خطة اقتصادية عاجلة، تشمل خطط لإنشاء بنك جنوبي مستقل للحد من سيطرة القوى المركزية.

ويتم العمل على مقترحات بإنشاء حكومة جنوبية مؤسسات بديلة للخدمات الأساسية تُدار من قبل سلطات محلية بعيدًا عن تأثير لوبيات النفوذ.

وهناك نقاشات متقدمة وأفكار حول إنشاء صندوق إعمار لعدن بتمويل داخلي وخارجي يشرف عليه جهة مستقلة غير تابع للدولة لضمان تنفيذه دون عمليات نهب أو فوضى.

ودوليًا، دائما ما تصف الأمم المتحدة الوضع في البلد وعدن خاصة بأنه “كارثة اقتصادية غير مبررة”، وسط دعوات لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في آليات توزيع الموارد.

وأيضًا، بدأت بعض السفارات الغربية بإرسال تقارير إلى حكوماتها حول الوضع الكارثي في عدن، مما قد يخلق ضغطًا دوليًا على لوبيات الفساد المخترقة للدولة..

الاستمرار في هذه الحرب الاقتصادية سيخلق واقعًا جديدًا في الجنوب، قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في البنية السياسية للبلاد، وقد يدفع المجلس الانتقالي الجنوبي لتشكيل (حكومة جنوبية)

وفي المقابل، فإن تفعيل خطة المواجهة الاقتصادية قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقلال الاقتصادي والإداري لعدن.

واليوم عدن تقف على مفترق طرق: إما الخضوع لحرب الخدمات الممولة بشكل أو آخر من قوى يمنية واخوانية وحوثية (والانهيار)، أو الانتصار بالمقاومة المجتمعية والسياسية المنظمة خلف المجلس الانتقالي الجنوبي، وقيادته.

زر الذهاب إلى الأعلى