إشارة من القلب أثناء النوم تكشف مخاطر صحية خلال 10 سنوات

توصل باحثون أميركيون إلى أن تحليل النشاط الكهربائي للقلب خلال المراحل الأولى من النوم باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يساعد على التنبؤ بمخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بما فيها الرجفان الأذيني وفشل القلب والسكتة الدماغية، إضافة إلى الوفاة لأي سبب، خلال السنوات العشر المقبلة.
وتعتمد التقنية على بيانات تُسجَّل بواسطة قطب كهربائي واحد لتخطيط القلب يُثبّت على الصدر أثناء النوم، ما يتيح استخلاص مؤشرات عن المخاطر الصحية المستقبلية دون الحاجة بالضرورة إلى إجراء فحوص قلبية إضافية معقدة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة ”سلييب“ العلمية، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة الأميركية. وقال ديفيد غوف، القائم بأعمال مدير المعهد الوطني للقلب والرئة والدم، إن هذا النهج قد يساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية قبل سنوات من ظهور الأعراض السريرية، مشيراً إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في دراسة مدى قدرة هذه المعلومات على تحسين أساليب التنبؤ التقليدية بالمخاطر الصحية.
بدأ فريق البحث، بقيادة علماء من جامعة إيموري الأميركية، بتدريب نظام للذكاء الاصطناعي يعتمد على التعلم العميق، باستخدام بيانات صحية لنحو 16 ألف مريض شاركوا في دراسة للنوم أُجريت بمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، وخضعوا خلالها لمراقبة النشاط الكهربائي للقلب.
واختبر الباحثون النظام بعد ذلك على مجموعتين إضافيتين من البيانات، ضمت الأولى نحو 10 آلاف مريض من مستشفى جامعة إيموري، فيما شملت الثانية نحو 13 ألف مريض من مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي في بوسطن.
وتمكن النموذج من تصنيف المشاركين وفق مستويات خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية على المدى الطويل. وأظهرت النتائج استمرار قدرته التنبؤية بعد احتساب عوامل الخطر التقليدية والخصائص المرتبطة بالنوم.
وأظهرت الدراسة أن كل زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في درجة الخطر التي يحسبها النموذج ارتبطت بارتفاع احتمالات الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، مع اختلاف النسب بين مجموعات الدراسة.
وسجل الرجفان الأذيني، وهو اضطراب يؤدي إلى عدم انتظام ضربات القلب، ارتفاعاً في الخطر تراوح بين 103 و172 بالمئة. كما ارتفع خطر فشل القلب بين 69 و133 بالمئة، والسكتة الدماغية بين 19 و40 بالمئة، والوفاة لأي سبب بين 65 و82 بالمئة.
أما احتشاء عضلة القلب، المعروف بالنوبة القلبية، فلم تُظهر النتائج ارتفاعاً ذا دلالة إحصائية في خطر الإصابة به مستقبلاً إلا لدى مجموعة واحدة من المشاركين.
وقال غاري كليفورد، أحد مؤلفي الدراسة وأستاذ الهندسة الطبية الحيوية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، إن إضافة درجة الخطر الناتجة عن نموذج التعلم العميق حسّنت القدرة على التنبؤ بالمشكلات القلبية مقارنة بالاعتماد على عوامل الخطر المعروفة وحدها.
وأضاف أن دمج هذه الدرجات في دراسات النوم قد يعزز الاكتشاف المبكر لأمراض القلب والأوعية الدموية، ويساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بها قبل ظهور الأعراض.
ووجد الباحثون أن تسجيلات تخطيط القلب أثناء النوم تحمل مؤشرات تنبؤية مهمة، خصوصاً عند تحليلها بالاقتران مع مراحل النوم المختلفة. وظلت هذه العلاقة واضحة بعد مراعاة عوامل مثل العمر والجنس والسكري وارتفاع ضغط الدم والتدخين.
وخلال المراحل الأخف من النوم، قد تكشف التغيرات في أنماط ضربات القلب وانتقال الإشارات الكهربائية داخله عن مؤشرات دقيقة للمخاطر الصحية المستقبلية.
وفسّر مؤلفو الدراسة ذلك بأن التغيرات السريعة في نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي خلال الانتقال من اليقظة إلى النوم قد تجعل الاضطرابات الدقيقة في معدل ضربات القلب أو التوصيل الكهربائي أكثر وضوحاً وقابلية للرصد.
وينظم الجهاز العصبي اللاإرادي وظائف الجسم التي تحدث تلقائياً، مثل ضربات القلب وضغط الدم والتنفس. وقد تساعد مراقبة التغيرات التي تطرأ على نشاطه أثناء النوم في الكشف عن اختلالات قلبية لا تظهر بوضوح في الظروف العادية.
وأظهرت الدراسة أن إضافة البيانات المستخلصة من تخطيط القلب أثناء النوم إلى النماذج التقليدية لتقييم مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية حسّنت قدرتها على التنبؤ بالرجفان الأذيني بنسبة تصل إلى 6 بالمئة، وفشل القلب بنسبة تصل إلى 9 بالمئة، والوفاة بنسبة تصل إلى 7 بالمئة.
ورغم أن هذه التحسينات قد تبدو محدودة من حيث قيمتها المطلقة، فإنها تعزز قدرة النماذج على التمييز بين الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة مستقبلاً وأولئك الأقل عرضة، مقارنة بالأساليب التقليدية.
ويرى الباحثون أن التقنية قد تتيح مستقبلاً الاستفادة من البيانات التي تُجمع بالفعل أثناء فحوص النوم للمساعدة في تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر القلبية، خصوصاً المصابين باضطرابات النوم، من دون الحاجة بالضرورة إلى إخضاعهم لاختبارات قلبية إضافية.
ولا تقتصر الفكرة على رصد اضطرابات القلب الواضحة أثناء النوم، إذ يتيح تحليل الإشارات الكهربائية الدقيقة بالذكاء الاصطناعي استخلاص مؤشرات قد تساعد على تقدير المخاطر القلبية طويلة الأمد، مع بقاء الحاجة إلى تقييم مدى فاعلية هذا النهج في تحسين الممارسة الطبية.