اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجنوب ليس وصايةً تُدار… ولا إرادةً تُصادَر! ردًّا على تغريدة المستشار صالح العمار في منصة إكس يوم أمس

بقلم / د. أمين العلياني

يا مستشار صالح العمار، حين تتحدث عن قضية شعب الجنوب وأنت تحمل انتماء وهوية سعودية في تغريدة لك بعنوان (الجنوب بين عبادة الشخصية والواقع .. متى ينتهي الوهم) وترى إن جوهر قضية شعب الجنوب لا يُختزل في المفاضلة بين القيادات، ولا في استبدال قيادة بأخرى وفق مواصفات تُصاغ خارج حدود إرادة شعب الجنوب؛ وإنما يكمن في حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، واختيار ممثليه، وتحديد مشروعه السياسي بإرادته الحرة، بعيدًا عن الوصاية والإملاءات وإعادة هندسة المشهد وفق حسابات الآخرين.
وإن كنت تطالب قيادة الجنوب بنوايا الرياض بإثبات جدارتها أمام شعبها، فهذا ليس حقًا مشروعًا، لأن التناقض كان ظاهرًا في تغريداتك حين تجعل قيادة شعب الجنوب مرتبطة بعبادة الشخصية وتحرمها من التفويض الشعبي الممنوح لها بالحق في التعبير عن تطلعاته، لكن ومن مقتضى الإنصاف أن يُطبَّق المعيار ذاته على كل قيادة تريدها الرياض بديلة عن القيادة التي يعبدها الشعب، وأن تخضع كل المشاريع للاختبار الشعبي، لا أن يُراد للجنوبيين اختيار ما يُراد لهم، ثم يُقدَّم ذلك بوصفه تعبيرًا عن إرادتهم.
أما حديثك عن شعارات الأمن والتعليم والتنمية بهدف ترفع منسوب قيادات تراها الرياض وتحاول تسويغ صناعتها كقيادة بمواصفاتها فهذا يعني أنها الأسواء قياسًا على عبارتك في التغريدة(الجنوب بين عبادة الشخصية والواقع)، فالسؤال الذي لا يجوز القفز عليه هو: من يمنح هذه القيادة شرعيتها؟ الشعب الذي يُفترض أنها جاءت لخدمته، أم الجهة التي تتولى رعاية مسار تشكيلها؟ فالكفاءة لا تمنح شرعيةً لمن لم يختره الشعب، والتنمية لا تكون حجةً لمصادرة حقه في الاختيار، والاستقرار لا يُبنى على تهميش الإرادة التي يُفترض أن تكون حارسًا له.
ومن هذا الجانب فأنت تعاير المقاتل الجنوبي الذي أثقلته أعباء الحياة، وأجبرته الحاجة إلى الراتب وأجبر على الاحتماء بما يسد رمق أسرته، وأصبح كلامك عليه أن قتاله ليس لأجل مشروع سياسي با ظروف حولت معيشته إلى وسيلة لإعادة تشكيل ولاءاته لأجل الراتب، وتختزل قتاله وما قدّم من تضحيات لكي يكون رقمًا بكشف المرتبات، وتدفع له عشرات الآلاف عند استشهاده كمكرمة على أنه كان وسيلة لمصالح من دفع له الراتب وتساب عنه الوطن الذي قاتل من اجله كي يخلد ذكرى فدائيته ولهذا فأنت تصور الرياض وكأنها تستبقى المقاتل الجنوبي حين تقتضي المصالح، ويُعاد توظيفه حين تتبدل الحسابات؛ فالراتب حق، والكرامة حق، والقرار الوطني حق؛ ولا ينبغي أن يُوضَع المقاتل الجنوبي أمام خيارٍ قاسٍ بين لقمة عيش أطفاله وحقه في التمسك بقضيته ومشروع دولة تخلد تضحياته.
وبهذا فشعب الجنوب يقولها بوضح: إن الجنوب ليس ساحةً مفتوحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا قضيةً معلّقةً على مزاجات الرياض، وكأن الجنوب شعبًا بلا إرادة حتى يُبحث له عن وصيٍّ يختار له قيادة نيابةً عنه، بل أن شعب الجنوب قدّم التضحيات دفاعًا عن تطلعاته بهدف انتصار مشروعه، ومن حقه أن يختار من يمثله ويفوض من يشاء في التعبير عن تطلعاته وتضحياته ، وأن يحاسبه، وأن يستبدله بإرادته وآلياته الحرة، لا بقرارات تُصنع فوق رأسه ثم يُطلب منه مباركتها.
فيا أخ صالح العمار ما دام وانت تحمل الهوية السعودية، وتتحدث عن إرادة شعب الجنوب لا ينتمي للرياض بل ينتمي جغرافية وهوية جنوبية عربية وكانت تطلعاته وتضحياته في سبيل انتصار مشروعه التحرري وإن كنت تؤمن من أن سياسة الرياض لا ترى القيادة التي تستحق أن تحكم الجنوب إلا أن تُقاس بإنجازاتها، فشعب الجنوب يطلب من الرياض أولًا أن تدع شعب الجنوب يختار من يشاء ومن يفوضه ويعبر عن تطلعاته، وثانيًا تدع الآخرون الذين تراهم الرياض كقيادات بديلة يخضعون للمعيار ذاته المتمثل في احترام وتقدير إرادة الشعب هل هي معها أم ضدها، وإن كانت سياسة الرياض ترى أن التنمية هي غاية السياسة، فلتكن كرامة المواطن في الجنوب واستقلال إرادته في صدارة أولوياتها، لا ذريعةً للوصاية عليه، فلماذا تضع المقاتل الجنوبي بين خيارات أيديولوجية تفرض عبر فتاوى من خارج حدوده من جهة وتجعل منه مقاتلًا مقابل راتب شهري أجبر على القتال من أجله لا من أجل انتصار مشروعه الذي ضحى من أجله وإن كانت الرياض تدعو إلى قيادة مستقلة بديلة، فلتكن مستقلةً عن كل أشكال الإملاء، لا عن طرفٍ لتلتحق بآخر؛ فالفرق شاسع بين قيادةٍ تستمد شرعيتها من شعبها، وتستعين بشركائها دون أن تتنازل عن قراره، وبين ترتيباتٍ تُصاغ خارج إرادته ثم تُسوَّق له باسم مستقبله.
ومن هنا فالجنوب لا يحتاج إلى وصيٍّ يختار له مستقبله، بل إلى شراكةٍ تحترم إرادته؛ ولا يحتاج إلى قيادةٍ تُفصَّل على مقاس الوصاية التي تتحدث بها تارة وتلمح إليها تارة أخرى، بل أن الجنوب يحتاج إلى قيادةٍ يختارها الشعب، وهو صاحب الحق في تفويضها وهو المخول في محاسبتها، ومن يملك الحق في تغييرها، ومن هنا أقول: فمن أراد خدمة شعب الجنوب، فليحترم إرادته الشعبية في الاختيار؛ ومن أراد كسب ثقته، فليقدّم له أنموذجًا في الإنصاف والتنمية وصون الكرامة وتحترم إرادته وتطلعاته واحترام خياراته في تفويض من يشاء من قيادته في التعبير عن تلك تطلعاته السياسية. أما أن تطالب الجنوبيون بأن يثبتوا ولاءهم للرياض على حساب إثبات أهليتهم لإدارة شؤونهم وحقهم في تفويض من يشاءون كقيادة لهم واختيار من يمثله، بينما تمنح أنت الآخرون حق تحديد من أدارة الجنوب كقوة بديلة نيابةً عن إرادة الشعب، فتلك مفارقةٌ تختل فيها موازين الشرعية في طرح الحقيقة الموضوعية، ويغيب عنها أبسط معاني الإرادة الشعبية؛ فالجنوب قضية شعب، لا ملف وصاية؛ وإرادة شعبه أصل الشرعية، لا تفصيلٌ قابلٌ للإلغاء عند تبدّل المصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى