اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

راديثور.. ماء مشع باع وعود الشباب وانتهى بموت من شربه

قبل نحو قرن، سوّق رجل الأعمال ويليام بيلي ماءً يحتوي على نظائر مشعة من الراديوم باعتباره علاجًا لأكثر من 150 مرضًا ومشكلة صحية، من فقر الدم والتهاب المفاصل إلى أمراض القلب وسرطان الدم. لكن منتج «راديثور» (Radithor) الذي حظي بشعبية في عشرينيات القرن الماضي، انتهى بمأساة صحية كشفت مخاطر تحويل الاكتشافات العلمية إلى سلع تجارية قبل فهم أضرارها.

بين عامي 1924 و1930، روّج بيلي للماء المشع مدعيًا قدرته على تخفيف طيف واسع من المشكلات الصحية، مستفيدًا من الحماس الذي أحاط بالراديوم آنذاك، حين ارتبطت به وعود الصحة والتجدد والشباب. ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على منتجه، إذ انتشرت كريمات ومستحضرات ومقويات وحقن تحتوي على الراديوم، وروّجت لها شركات ذات سمعة جيدة باعتبارها منتجات ذات فوائد صحية.

وتقول مؤرخة العلوم والتكنولوجيا ماريا رينتيتزي إن الراديوم كان جزءًا من التيار السائد في تلك الفترة، وإن الصناعة نفسها أسهمت في تعزيز مكانته وانتشاره، ما جعل الاعتقاد بفوائده يتجاوز نطاق الباعة المشبوهين إلى قطاعات تجارية أوسع.

2800 أونصة من الماء المشع

تكشفت العواقب القاتلة لـ«راديثور» في قصة رجل الأعمال الأمريكي الثري إيبن بايرز، الذي تعرض لكسر في ذراعه عام 1927، فنصحه طبيبه باستخدام المنتج.

وخلال السنوات الخمس التالية، شرب بايرز ما يُقدّر بنحو 2800 أونصة من الماء المشع أو أكثر، المحتوي على نظيري الراديوم 226 والراديوم 228. وفي عام 1932، توفي نتيجة تسمم إشعاعي شديد ألحق أضرارًا جسيمة بهيكله العظمي.

أثارت وفاته اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، وانتهت القضية بمنع لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية تسويق «راديثور». والمفارقة أن بايرز لم يكن يجهل طبيعة ما يشربه، إذ كانت العبوات تعلن بوضوح احتواء المنتج على «ماء مشع معتمد». لكن الإشعاع كان يُنظر إليه آنذاك باعتباره مصدرًا محتملًا للفوائد العلاجية، قبل أن تتضح مخاطر التعرض له بهذه الطريقة.

400 ألف زجاجة وعائدات بملايين الدولارات

تشير تقديرات إلى أن بيلي باع نحو 400 ألف زجاجة من «راديثور»، بسعر دولار واحد للزجاجة، بما يعادل عائدات تقارب 8 ملايين دولار بقيمة اليوم.

ولم تنتهِ القصة عند وفاة بايرز، إذ توفي بيلي نفسه بسرطان المثانة عام 1949. وعندما استُخرج جثمانه عام 1970 وفُحص بحثًا عن آثار الإشعاع، خلص الفحص إلى أن وفاته يُرجح أن تكون مرتبطة أيضًا بالعلاج الذي روّج له.

وتكشف هذه الوقائع كيف تحولت مادة أحاطت بها الوعود التجارية إلى مصدر لأضرار صحية جسيمة، في وقت لم تكن فيه مخاطر استخدامها على هذا النحو مفهومة بما يكفي، وكانت الادعاءات العلاجية تتقدم على الأدلة العلمية.

من الوعود التجارية إلى العلاج المنضبط

بعد عقود من الأبحاث والتجارب الأكثر صرامة، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2013 على استخدام الراديوم لعلاج أنواع معينة من السرطان.

ويختلف هذا الاستخدام الطبي المحدد عن تجربة «راديثور» اختلافًا جوهريًا، إذ يستند إلى أبحاث علمية وتنظيم طبي، بدلًا من تسويق الماء المشع بوصفه علاجًا واسع المفعول لأمراض متعددة. وهكذا، انتقل الراديوم من منتج استهلاكي رُوّج له بوعود شبه خارقة في عشرينيات القرن الماضي إلى استخدام طبي محدد يخضع للأدلة والضوابط العلمية.

زر الذهاب إلى الأعلى