الجنوب العربي وباب المندب.. معركة السيادة والممرات الدولية واختبار إرادة القوات المسلحة الجنوبية

بقلم: وليد قحطان محمد
لم يعد باب المندب مجرد ممر مائي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، بل أصبح إحدى أهم نقاط التوازن الاستراتيجي في العالم، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية الدولية مع الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها اليمن والمنطقة، تبرز أهمية الجنوب العربي بوصفه منطقة ذات موقع جغرافي بالغ الحساسية، وتصبح السيطرة على السواحل وتأمين الممرات البحرية قضية تتجاوز حدود الصراع المحلي إلى الأمن الإقليمي والتجارة العالمية.
باب المندب.. بوابة استراتيجية للعالم
تنبع الأهمية الدولية لباب المندب من موقعه الذي يربط خليج عدن والبحر العربي بالبحر الأحمر، ومن ثم بقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. ويمثل هذا الممر حلقة أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، كما تمر عبر منظومته البحرية شحنات الطاقة والسلع والبضائع التي تعتمد عليها اقتصادات دول عديدة.
وقد أظهرت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مدى تأثير التهديدات الأمنية على حركة السفن، إذ دفعت المخاطر عدداً من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي رفع تكاليف النقل وأطال زمن وصول البضائع. وهو ما يؤكد أن استقرار باب المندب ليس شأناً يمنياً داخلياً فحسب، بل قضية ترتبط بأمن الاقتصاد العالمي واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا، فإن أي قوة تسيطر على المناطق الساحلية المحيطة بالمضيق تمتلك أهمية جيوسياسية كبيرة، لكن هذه الأهمية تفرض عليها في المقابل مسؤولية حماية الملاحة الدولية، ومنع استخدام الممر البحري لتهديد السفن التجارية أو تحويله إلى أداة للابتزاز السياسي والعسكري.
القوات المسلحة الجنوبية.. الثبات في مواجهة التحديات
في خضم الصراع اليمني الممتد، برزت القوات المسلحة الجنوبية ضمن القوى المناهضة للحوثيين، وأصبحت جزءاً من المعادلة الأمنية والعسكرية في الجنوب. ويرى أنصار المشروع الجنوبي أن هذه القوات تمثل إحدى ركائز حماية الأرض الجنوبية وتأمين مناطقها، ويؤكدون ضرورة أن يكون لها دور أساسي في حماية السواحل والمواقع الاستراتيجية.
غير أن الحديث عن الثبات العسكري لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات أو الخطابات السياسية؛ بل يجب أن يُقاس بقدرة القوات على حماية السكان، والحفاظ على تماسكها وانضباطها، وتأمين المنشآت الحيوية، والتصدي للتهديدات، والعمل ضمن رؤية دفاعية واضحة.
وفي هذا السياق، تكتسب قضية باب المندب أهمية خاصة بالنسبة إلى الجنوب العربي. فاستعادة السيطرة الفعلية على المناطق الساحلية والمواقع الاستراتيجية، إذا تحققت ميدانياً، لن تكون مجرد مكسب جغرافي، بل ستكون اختباراً لقدرة القوى العسكرية والسياسية على تحويل السيطرة إلى أمن مستدام وإدارة مسؤولة.
إن استعادة باب المندب وتأمينه تتطلبان أكثر من التحرك العسكري؛ فالمعركة الحقيقية تبدأ بتثبيت الأمن، ومنع عودة الجماعات المسلحة، وحماية الموانئ والمنشآت، وتعزيز قدرات خفر السواحل، وبناء تعاون منظم مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بحرية الملاحة.
فالقيمة الحقيقية لأي انتصار عسكري لا تكمن في رفع الرايات وحده، بل في حماية الأرض والإنسان وضمان عدم تكرار فقدان المواقع الاستراتيجية.
الحكومة الشرعية.. سنوات الحرب وأسئلة الإخفاق
بعد سنوات طويلة من الحرب، يحق للمواطن اليمني أن يطرح أسئلة جوهرية بشأن أداء الحكومة المعترف بها دولياً: لماذا طال أمد الصراع دون حسم سياسي أو عسكري مستدام؟ ولماذا ظلت مؤسسات الدولة تعاني الانقسام والضعف؟ وكيف استطاعت جماعة الحوثيين الاحتفاظ بمناطق واسعة من شمال اليمن، رغم الدعم الإقليمي والدولي الذي حصلت عليه الحكومة خلال مراحل مختلفة من الحرب؟
إن هذه الأسئلة ليست مجرد انتقادات سياسية عابرة، بل تتصل بمسؤولية إدارة الدولة والحرب، وبمدى كفاءة التخطيط العسكري، وتوحيد القرار، وإدارة الموارد، وبناء المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
ومن منظور منتقدي أداء الحكومة، فإن استمرار الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين، وتعدد مراكز القرار العسكري، وضعف التنسيق، وتراجع الخدمات، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين وأطالت معاناة اليمنيين. كما أن غياب استراتيجية وطنية متماسكة يثير تساؤلات عن جدوى سنوات الحرب وحجم الموارد التي أُنفقت خلالها.
لكن التقييم الموضوعي يقتضي أيضاً الإشارة إلى أن استمرار الحرب لا يمكن تفسيره بعامل واحد؛ إذ تتداخل فيه قوة الحوثيين العسكرية، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، والأزمة الاقتصادية والإنسانية، وتعقيدات التسوية السياسية.
ومع ذلك، فإن تعدد الأسباب لا يعفي المسؤولين من المساءلة، ولا يلغي ضرورة مراجعة القرارات التي أدت إلى إضعاف المؤسسات وتراجع القدرة على حماية الأراضي والممرات الاستراتيجية.
هل أصبح باب المندب اختباراً جديداً لجدية إدارة الحرب؟
إن التطورات المتعلقة بالساحل الغربي اليمني وباب المندب كشفت هشاشة الوضع الأمني، وأظهرت أن المواقع الاستراتيجية يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط في الصراع الإقليمي. وقد أشار تقرير صادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في سبتمبر 2026 إلى تقدم الحوثيين على أجزاء مهمة من الساحل الغربي، بما في ذلك مناطق قريبة من المضيق وجزيرة ميون، وهو تطور يحمل تداعيات مباشرة على أمن الملاحة الدولية.
وتضع هذه التطورات جميع القوى المناهضة للحوثيين أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تجاوز خلافاتها وتنسيق جهودها لحماية السواحل؟ وهل يمكن بناء قيادة عسكرية واضحة ومسؤولة؟ وهل ستتحول حماية باب المندب إلى أولوية وطنية عملية، أم ستظل خاضعة لحسابات التنافس السياسي وتضارب المصالح؟
وبالنسبة إلى القوات المسلحة الجنوبية، فإن أي دور في استعادة المناطق الساحلية وتأمينها يجب أن يُترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض، وأن يقترن بحماية المدنيين واحترام القانون، وضمان عدم تعريض السفن التجارية والمنشآت المدنية للخطر.
أما الحكومة الشرعية، فإن استعادة الثقة تتطلب مراجعة شاملة لأداء مؤسساتها، وتوضيح المسؤوليات، وتوحيد الجهود العسكرية، ومكافحة الفساد، وتحسين الأوضاع المعيشية، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات والوعود.
الجنوب العربي.. بين الجغرافيا والمسؤولية السياسية
يمتلك الجنوب العربي موقعاً جغرافياً يمنحه أهمية استراتيجية في معادلات الأمن البحري الإقليمي، لكن الموقع وحده لا يصنع قوة سياسية أو اقتصادية مستدامة. فالدول والكيانات السياسية التي تستثمر مواقعها الاستراتيجية بنجاح هي تلك التي تجمع بين الأمن والاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على إدارة الموارد، واحترام الالتزامات الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع سياسي جنوبي يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة الأرض والموانئ والسواحل يحتاج إلى رؤية واضحة للأمن البحري، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، وإدارة المؤسسات، وضمان مصالح السكان المحليين.
كما أن حماية باب المندب ينبغي ألا تتحول إلى مبرر لمزيد من الصراعات الداخلية؛ بل يجب أن تكون مدخلاً للتعاون بين القوى المحلية والإقليمية والدولية، لأن تهديد الملاحة لا يضر طرفاً واحداً، وإنما ينعكس على التجارة والطاقة وأسعار السلع واستقرار المنطقة بأكملها.
الخاتمة.. السيادة مسؤولية قبل أن تكون شعاراً
إن باب المندب ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل شريان بحري بالغ الأهمية، وموقع استراتيجي يضع اليمن والجنوب العربي في قلب معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
وقد أظهرت سنوات الحرب أن التفوق العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لبناء الاستقرار، وأن الانقسام وضعف الإدارة وغياب الرؤية الموحدة يمكن أن تفتح المجال أمام خسارة مواقع استراتيجية ذات قيمة عالمية.
ومن هنا، فإن استعادة باب المندب وتأمينه يجب أن تكونا جزءاً من استراتيجية شاملة تجمع بين الدفاع المنظم، وحماية الملاحة الدولية، وتوحيد القرار، وبناء المؤسسات، وتحقيق مصالح المواطنين.
أما الحكومة الشرعية، فإن استمرار إخفاقاتها، حيث تثبتها الوقائع، يستوجب المساءلة والمراجعة الجادة. والقوات المسلحة الجنوبية وغيرها من القوى المناهضة للحوثيين مطالبة بإثبات قدرتها على حماية الأرض والسكان والممرات البحرية، بعيداً عن المزايدات السياسية.
فالمعركة على باب المندب ليست معركة موقع جغرافي فحسب؛ إنها اختبار للقيادة والمسؤولية، وللقدرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الأمن والاستقرار. ومن يطمح إلى حماية هذه البوابة الاستراتيجية، عليه أن يثبت أن حماية الإنسان والمصالح العامة تأتي في مقدمة أولوياته