اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

من الصمت إلى التمجيد.. اتهامات بتبدّل الخطاب السياسي واستغلال اسم الجنوب لتلميع الدور السعودي

في مشهد يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الجنوبية، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى شخصيات وأصوات سياسية وإعلامية جنوبية، على خلفية ما يصفه منتقدون بتحول لافت في خطابها تجاه المملكة العربية السعودية، من الصمت خلال الأشهر الماضية إزاء التطورات والأحداث التي شهدتها مناطق الجنوب، إلى الحديث المكثف عن الدور السعودي وما يُقال عن دعمه ومواقفه، مع إقحام اسم الجنوب والمقاومة الجنوبية في سياق هذا الخطاب، بما يمنحه، وفقاً للمنتقدين، مظهراً أكثر قبولاً لدى الشارع الجنوبي.
وتتمحور هذه الانتقادات حول تساؤلات بشأن توقيت هذا التحول وأسبابه، وما إذا كان يعكس مراجعة سياسية حقيقية للمواقف السابقة، أم محاولة لإعادة تقديم الدور السعودي بصورة مختلفة، عبر ربط الحديث عن المملكة بالتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب وقواته المسلحة خلال السنوات الماضية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن استدعاء اسم الجنوب في الخطابات السياسية لا يكفي وحده لإثبات الانحياز لقضيته، ما لم يترافق مع مواقف واضحة تجاه الملفات التي تشغل الشارع الجنوبي، وفي مقدمتها الأمن والخدمات والرواتب وحماية المؤسسات العسكرية والأمنية.
ويستعيد منتقدو هذه الشخصيات ما يصفونه بفترة طويلة من الصمت إزاء الأحداث التي شهدها وادي حضرموت، وما أُثير بشأن سقوط ضحايا من منتسبي القوات المسلحة الجنوبية، معتبرين أن تلك التطورات كانت تستوجب مواقف علنية وواضحة، بعيداً عن الحسابات السياسية أو المصالح المرتبطة بعلاقات القوى الإقليمية والمحلية. ويقول هؤلاء إن المعيار الحقيقي لأي خطاب سياسي ليس ما يعلنه صاحبه عندما تتغير موازين القوى، بل موقفه عندما تكون القضايا محل الخلاف في ذروة حساسيتها، وعندما تكون حياة المواطنين وأمنهم واستقرار مناطقهم في صدارة المشهد.
ولا تتوقف الانتقادات عند الملف العسكري، بل تمتد إلى الأوضاع الاقتصادية والخدمية التي يعاني منها المواطنون في عدد من مناطق الجنوب. ففي ظل أزمات الكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية وتأخر الرواتب وتفاقم الأعباء المعيشية، يتساءل منتقدون عن أسباب غياب بعض الأصوات التي تتحدث اليوم بإيجابية عن الدور السعودي، وعن مواقفها السابقة تجاه معاناة السكان والتحديات التي تواجه المؤسسات العامة.
ويؤكد أصحاب هذا الموقف أن المواطن الجنوبي، الذي يواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، لا ينتظر خطابات تمجيد أو عبارات سياسية عامة، بقدر ما ينتظر حلولاً ملموسة تنعكس على حياته اليومية، وتضمن انتظام الخدمات ودفع الرواتب وحماية المؤسسات وصون كرامة المواطنين. ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن أي حديث عن الدعم والمساندة ينبغي أن يُقاس بنتائجه على الأرض، لا بحجم العبارات المستخدمة في وصفه أو بمقدار المساحة التي تُمنح له في الخطاب الإعلامي.
وفي السياق ذاته، تبرز انتقادات تتعلق بما يصفه مراقبون ومناصرون للقضية الجنوبية بمحاولات إعادة ترتيب الخطاب السياسي بما يتلاءم مع المتغيرات الإقليمية. فبدلاً من مناقشة الملفات الخلافية بصورة مباشرة، يرى هؤلاء أن بعض الخطابات تركز على إبراز جوانب الدعم والتعاون، مع الإشارة بصورة محدودة إلى الجنوب وتضحيات أبنائه، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت القضية الجنوبية تمثل جوهر الموقف السياسي، أم أنها تُستخدم أحياناً باعتبارها مدخلاً لتسويق مواقف أخرى.
ويشدد منتقدو هذا النهج على أن القضية الجنوبية، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشارع، ليست تفصيلاً يمكن توظيفه وفق مقتضيات المرحلة، ولا عبارة تُضاف إلى خطاب سياسي بهدف منحه شرعية شعبية، وإنما قضية ترتبط بالهوية والحقوق السياسية وتطلعات المواطنين إلى مستقبل يحددون فيه خياراتهم بعيداً عن الإملاءات والضغوط. ولذلك، فإن أي خطاب يتناول الجنوب، وفق هذا التصور، ينبغي أن يكون واضحاً في موقفه من حقوق أبنائه، وألا يكتفي باستحضار تضحياتهم عندما تقتضي المصالح السياسية ذلك.
كما يطرح الجدل الراهن سؤالاً أوسع بشأن طبيعة العلاقة بين القوى الجنوبية والفاعلين الإقليميين، وحدود الدعم السياسي والعسكري، والضمانات المطلوبة حتى لا تتحول الشراكات إلى أدوات ضغط على القرار الجنوبي. فالعلاقات الإقليمية، مهما بلغت أهميتها، تظل موضع تقييم ومراجعة وفق ما تحققه من مصالح متبادلة، وما تقدمه من إسهام فعلي في حماية الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية، ومدى احترامها لإرادة أبناء الجنوب وتطلعاتهم السياسية.
وفي هذا الإطار، يرى منتقدون أن الدفاع عن أي دور إقليمي لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن مناقشة السياسات والقرارات التي تثير الاعتراض، كما أن انتقاد تلك السياسات لا يعني بالضرورة رفض كل أشكال التعاون أو إغلاق أبواب الحوار. فالمعيار، بحسب هذا الطرح، هو وضوح الموقف واستقلاليته، والقدرة على التمييز بين المصالح المشتركة والملفات التي تحتاج إلى مراجعة وضمانات صريحة.
وتزداد حساسية هذه القضية مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه الجنوب، وما تفرضه المرحلة من حاجة إلى توحيد الصف الداخلي وتحديد الأولويات الوطنية. فبدلاً من أن يتحول الخلاف بشأن المواقف الإقليمية إلى ساحة لتبادل الاتهامات وحدها، تبرز أهمية إخضاع الخطابات والمواقف للنقاش العام، ومطالبة الشخصيات السياسية والإعلامية بتوضيح مبررات تحولاتها، وتقديم إجابات بشأن القضايا التي كانت موضع صمت أو غموض في مراحل سابقة.
وفي المقابل، فإن الحكم على أي شخصية أو جهة لا ينبغي أن يستند إلى توقيت تصريحاتها وحده، بل إلى مضمون مواقفها وأدلتها، ومدى اتساقها مع سلوكها السياسي، واستعدادها لتحمل المسؤولية عن تصريحاتها السابقة والحالية. فالمواقف قد تتغير نتيجة تطورات حقيقية، لكن مصداقية هذا التغيير تظل مرتبطة بقدرته على تقديم تفسير مقنع، وبما إذا كان يفضي إلى نتائج ملموسة تخدم المواطنين وتحمي مصالحهم.
وفي نهاية المطاف، تبقى الرسالة الأبرز في هذا الجدل أن اسم الجنوب وتضحيات أبنائه ليسا مجرد وسيلة لتجميل الخطابات أو تحسين صورتها أمام الرأي العام، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تقتضي الوضوح والثبات والمحاسبة. فالشارع الجنوبي، الذي تحمل سنوات من الصراع والأزمات، من حقه أن يسأل عن أسباب تبدل المواقف، وأن يطالب بتفسير الصمت السابق كما يطالب بتوضيح الخطاب الحالي.
وبين التمجيد والانتقاد، وبين حسابات السياسة وتطلعات الشارع، تظل القضية الأساسية هي مدى قدرة المواقف المعلنة على حماية مصالح الجنوب، وصون دماء أبنائه، وتحسين أوضاعهم المعيشية، وضمان استقلالية القرار السياسي. فالدعم الحقيقي لا يُقاس بما يُقال في المنابر، وإنما بما يترجم إلى التزامات واضحة ونتائج قابلة للقياس، كما أن الانحياز لأي قضية لا تثبته الشعارات وحدها، بل يثبته الاتساق بين القول والفعل، والوقوف بمسؤولية أمام الأسئلة التي يطرحها الناس في أوقات الأزمات قبل أوقات المصالح.
زر الذهاب إلى الأعلى